«مصطفى محمود».. نجار تشكيلي حوّل جراج بيتهم إلى معمل يسحر القلوب

"مصطفى محمود".. نجار تشكيلي
"مصطفى محمود".. نجار تشكيلي


واحدة من قصص الكفاح لشاب مصري أصيل تستحق كل التقدير والثناء، هو موهوب بالفطرة بلا شك ولكن الموهبة وحدها في هذا الزمن ليست كافية أبدا، إن لم يخالطها ويدفعها الشغف والعمل والجهد والعرق، مصطفى محمود خريج نظم ومعلومات، ترك عمله كمدير إداري ناجح بشركة ليست بالصغيرة أبدا، ليتفرغ لشغفه القديم "النجارة" قرار لم يكن سهلاً، لكنه صنع منه قصة نجاح استثنائية.


"مصطفى محمود" يبدو أن لهذه "التركيبة" من الأسماء مزاج خاص وفكر خاص ونصيب من الحظ والشهرة والنجاح، عندما عرفني بفسه تذكرت على الفور العالم والطبيب والمفكر الكبير الدكتور مصطفى محمود صاحب "العلم والإيمان"، مع فارق الخبرة والسنين لكن مصطفى الصغير له قصة كفاح ونجاح تستحق أن تذكر، داخل جراج متواضع بشبرا الخيمة، تفوح رائحة الخشب الممزوجة بروح الإبداع، هناك بدأت الحكاية الجديدة بهواية قديمة؛ كان يصلح أي قطعة خشب في البيت، ويقضي وقته يشاهد فيديوهات يوتيوب عن أدوات النجارة.. ثم تحولت الهواية إلى عشق، وقرر الاحتراف وتحويل قطع الخشب إلى أباجورات أشبه باللوحات الجميلة أو القطع الفنية الاستثنائية للغاية.


أول تجربة عملية كانت قطعة ديكور خشبية مضيئة صنعها ليقنع أهله بأن ما يفعله ليس مجرد هواية عابرة، لم تقتصر المفاجأة على إعجابهم، بل أيضًا على التفاعل الكبير حين نشر صورها على منصات التواصل الاجتماعي، التعليقات الإيجابية شجعته ليبدأ في صناعة أباجورات "فنية" من الخشب الطبيعي.. رغم الإبداع البادي للعيان لم يكن الطريق مفروشاً بالورود.. وغاب المشترون أسابيع وشهور، والقلق يتزايد والترقب أيضا، الأهل يلومون عليه بشدة ترك عمله "الوظيفة المضمونة"، وإصابة عمل في اليد استلزمت عشر غرز جراحية زادت الطين بلة، والترقب واللوم صارا طلبا صريحا "اترك هذا العناء وعد إلى عملك"، لكن في المقابل الشغف والصبر والإصرار يزدادون عند الشاب المفعم بالأمل لأعلى درجة، اضطر لمزيد من التسويق والترويج على وسائل التواصل، بل وتوزيع بعض الهدايا من إنتاجه الفاخر، وجاء الفرج أخيرا.

 اتصال هاتفي من دولة قطر، أنت فلان؟ .. نعم، عندك كم قطعة جاهزة من هذه الأعمال؟ .. ثمانية، سأخدهم جميعا !!!
يقول مصطفى "بهذه المكالمة، تنفست الصعداء، تغير الحال تماما، يا فرج الله، كل القطع تباع مرة واحدة، لم اصدق ما حدث إلا وأنا استلم قيمة البضائع، لم أطمع صراحة في السعر لدرجة أن الزبون القطري لم يكن مصدق جودة الأباجورات حتى وصلته الشحنة واستلمها !!، عندها اتصل قائلا "تسلم ايدك فعلا"، أريد المزيد من هذه الأعمال، جمع كل ما عندك وارسلي".


يتابع مصطفى في سرد قصته المشوقة "بعد هذا العميل بدأت أجني ثمار التسويق الإلكتروني ويعد أن كنت أوزع أعمالي مجانا صار لها ثمن، وبعضها يعاد بيعه حاليا بأضعاف ثمنه، الحمد لله الزبائن من مصر وخارجها، كل أعمالي مباعة ، لقد نجحت".


 يحكي مصطفى عن بداياته الصعبة جدا وقصة كفاحه مع هذه الهواية التي صارت مهنة "كنت بشتري العدة من مرتبي، حتى وأنا لا زلت في شغلي الإداري، وأجرب كل عدة لحد ما أفهم عملها بالضبط ودورها، في البداية لم أكن يعرف أنواع الخشب، اشترى مرة خشبًا جيدا ومرة خشبا مسوسًا حتى تعلمت وعرفت جميع أنواع الأخشاب، وأسماء الأشجار وأفضلها لعملي في كل بر مصر".
ويتابع حاكيا "رحلة الأباجورة تبدأ من البحث عن قطعة مميزة، أجوب المحافظات لاختار الخامات بنفسي، كل قطعة خشب اشتريها اتخيل شكلها كعمل فني جاهز قبل أن أشتريها، أول ما أشوف قطعة خشب أعرف شكلها النهائي في خيالي".


 وردا على سؤال حول معايير اختيار الخشب لأعماله الفنية، قال "لازم يكون قديم طبعا، لا يقل عن سنتين مقطوع من الأشجار، لا أقطع شجرة أبدا للحصول على خشبها، نشتري القديم وكلما زاد قدمه زاد جماله وانخفضت فيه نسبة الرطوبة، لا يصلح الخشب للعمل إذا ارتفعت نسبة الرطوبة عن 12% ، عند هذه النسبة التي تقاس بجهاز خاص نبدأ العمل لو أكثر نتركها تجف في الشمس شهورا وربما سنوات حتى تصل لنسبة الرطوبة المضبوطة، رطوبة بين 12 و20% تكون بيئة صالحة لسوسة الخشب وهو ما يخرب علينا كل شيء، لو هناك احتياج شديد لقطعة معينة نلجأ لتجفيفها في أفران خاصة بالخشب لا توجد إلا في محافظات معينة مثل دمياط، لكن التجفيف الطبيعي أفضل".


 وعن أفضل الأخشاب المستخدمة في هذه الأعمال الفنية، قال "خشب شجرة السرسوع أفضلها على الإطلاق، وشجرة السنط جيدة أيضا، لكنها أفضل للموبيليا، وأفكر حاليا في استيراد الأخشاب من أفريقيا لكن التكلفة مرتفعة وبالدولار".


وتابع "العمل يمر بعدة مراحل بعد الاختيار والشراء تأتي مرحلة التقطيع بالمنشار، ثم التنظيف والتقشير وتشمل الرش الوقائي للتخلص من الحشرات، الصنفرة، الحفر لتركيب الإضاءة والتلميع. أما الخشب المصاب بالسوس له طريقة علاج خاصة عنده، تبدأ بالشفط وتنتهي بالحقن بمواد حشرية معينة".

اقرأ أيضا .. عيد الفلاح.. لماذا نحتفل به في 9 سبتمبر؟