عصر المعرفة

عن المعنى الحقيقى للدولة العميقة

د.محمد سليم شوشة
د.محمد سليم شوشة


محمد سليم شوشة

إلى جانب الكم الضخم من البيانات والمعلومات التى ينهض عليها قوام الدولة المصرية بهيبته ودقته كان لدينا التحديث والتطوير الرقمى والتجاوب مع التكنولوجيا

يمكن القول بأن هناك حالة من التشويش الكبير على المفاهيم والمصطلحات نتجت عن حالة السيولة الكلامية التى تلت ثورة 25 يناير، منها مفهوم الدولة العميقة الذى أخذ أبعاداً سلبية بسبب ارتفاع أصوات عشوائية كثيرة وهيمنتها على المشهد الفكرى والثقافى لفترة طويلة، وبالإضافة إلى ارتفاع هذه الأصوات لبعض الوقت وسيطرتها على الميديا كان هناك تراجع نسبى لدور النخبة من المفكرين والمثقفين والباحثين الحقيقيين فى الشئون السياسية والاجتماعية وتراجع دورهم فى تبسيط الثقافة السياسية للشارع وللإنسان العادى البسيط.
وإذا حاولنا معرفة الحقيقة يجب أن نسأل من جديد ماذا تعنى الدولة العميقة؟
الواقع أن مفهوم الدولة العميقة مفهوم شديد الإيجابية وبتأمله يُفترض أننا نشعر بكثير من الأمان والفخر، فالواقع أن العمق فى حد ذاته يعزز من فهمنا لطبيعة الدولة بوصفها جهازاً، العمق يعنى التكامل بين مؤسسات الدولة من الوزارات والهيئات ويعنى النمط الهرمى المعروف منذ آلاف السنين فى حضارتنا المصرية القديمة، الواقع أن الشكل الهرمى للدولة يفيد بأن أى دولة لها قمة وقاعدة وأسس عميقة، وبقدر حجم الدولة وبقدر تكاملها يكون لها عمق، والعمق هو الأساس الغاطس للدولة، ويعنى أن لها تراكماً عبر الزمن.
الواقع أن الدولة ذات الهيكل الهرمى نشرتها مصر فى العالم، وهى دولة تراجع نفسها بنفسها ولديها دروسها من الماضي، ودولة 52 هى الدولة المصرية الجديدة التى أسسها المصريون بعقولهم واجتهادهم مستلهمين نظام مصر فى العصور الفرعونية، وهناك كتاب مهم للفيلسوف الأمريكى جوزيف كامبل اسمه قوة الأسطورة، هذا الكتاب يحلل المعنى الرمزى للهرم المرسوم على العملة الأمريكية ويشير صراحة إلى أن الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية استلهموا شكل الدولة من المملكة المصرية القديمة، وفى الكتاب تحليل لرموز مصرية أخرى مما على فئات العملة النقدية الأمريكية المختلفة.
الدولة العميقة تعنى وجود أرشيف عميق وسجلات محفوظ فيها كل شيء من الماضي، بل إنها قد تعنى كذلك الحفاظ على ميراث أنظمة الحكم المختلفة والبناء على ما كان جيداً منه، فكثير من مؤسسات مصر ترجع لكافة العصور القديمة، فالجيش منذ أول عصر الأسرات، والأزهر منذ الدولة الفاطمية وتطور فى دولة الأيوبيين واستمر وازدهر فى عصر الفاطميين وضيّق عليه فى عصر دولة محمد على وعاد للازدهار مرة أخرى مع الجمهورية بعد 52، وهكذا بقية المؤسسات فى مصر كثير منها قديم وبعضها حديث، وصولاً إلى عصر الرقمنة والجمهورية الجديدة.
من معانى الدولة العميقة أن المؤسسات ترتبط ببعضها ارتباطاً وثيقاً وبخاصة المؤسسات البحثية مع المؤسسات التنفيذية، فربما يكون مفاجأة لكثيرين أن بعض المشروعات القومية التى شرعت الدولة فيها من بعد 2014 هى مشروعات قديمة ومُجدولة من عشرات السنين ونابعة من دراسات وأبحاث ولجان فنية وأكاديمية كثيرة، لدى مصر على سبيل المثال عدد كبير من المؤسسات البحثية المتخصصة أو النوعية التى تتصل بالزراعة أو البناء أو الصناعة أو الأبحاث الاجتماعية والجنائية وهذه المؤسسات البحثية مرتبطة بصورة حيوية وفعالة بالمؤسسات التنفيذية.
إن هذا الشكل من الترابط والدقة والقدرة على مراجعة الذات أو إدراك الأخطاء وتلافيها وإحداث حالة من التكامل بين مؤسسات الدولة ليمثل قوة وسنداً للشعب المصرى ضد عوامل التعرية والتجريف الحضارى الذى لا يتوقف عن صورة من الصور بل أخذ أشكالاً وأنماطاً غير متوقعة، بين حالات من التزييف والكذب ونشر الشائعات والتشكيك، وحالات من محاولة هدم الثقة أو تكسيرها وتفتيت جسورها التى تربط الدولة بالمواطنين تعمل أشكال حديثة من الهدم مثل: التكنولوجيا والتزييف العميق وتزوير الوثائق بصور عالية من التشابه أو ما يُعرف بالديب فيك deep fake. تبقى أسس الدولة المصرية فى ظل هذا راسخة وعميقة تراجع كل صغيرة وكبيرة وتسدّ أى ثغرات لتقليل الثقة، فكل جوانب الحياة لها ما يخدم عليها من مؤسسات تتكامل فيما بينها، بما يدعم فى النهاية سهولة الوصول إلى الحقيقة من جانب ، فضلاً عن عمليات التحديث التى تجعل الحياة أسهل وأسرع.
فإلى جانب الكم الضخم من البيانات والمعلومات التى ينهض عليها قوام الدولة المصرية بهيبته ودقته كان لدينا التحديث والتطوير الرقمى والتجاوب مع التكنولوجيا بما يسهل التعامل مع كل هذه البيانات، نحن دولة لديها سجلات وأرشيف وبيانات عن الجغرافيا والطبيعة من قرون بعيدة، ولدينا كذلك بيانات عن البشر أيضاً من قرون، بل يمكن القول بأن الدولة الوحيدة التى تملك سجلات من آلاف السنين على اعتبار أن التدوين على جدران المعابد القديمة هو سجلات لمصر والدولة المصرية شديدة التنظيم.