فى الشارع المصري

مجدى حجازى يكتب: «لا تغضب»

مجدى حجازى
مجدى حجازى


عن أبى هريرة ، أنه قال: (إنَّ رَجُلًا قالَ للنَّبيِّ : أوْصِنِى، قالَ : لا تَغْضَبْ. فَرَدَّدَ مِرَارًا، قالَ : لا تَغْضَبْ.) «رواه البخارى، حديث صحيح».

فى هذا الحديثِ يَحكى أبوهُرَيرةَ  أنَّ رجلًا، اسمُه جاريةُ بنُ قُدامةَ ، طلب الوَصِيَّةَ مِنَ النَّبيِّ ، فأوصاه  ألَّا يغضَبَ، وهو مَحمولٌ على الغَضَبِ المَذمومِ.. وقيلَ: لَعَلَّ السائِلَ كان غَضوبًا، وكانَ النَّبيُّ  يَنصَحُ كُلَّ واحِدٍ مِن أصحابِه بما هو أَوْلى به ويَحتاجُه، فلهذا اقتَصَرَ فى وَصيَّتِه له على تَركِ الغَضَبِ.. وقيلَ: مَعناه: اجتَنِبْ أسبابَ الغَضَبِ، ولا تَتعَرَّضْ لِمَا يَجلِبُه، وأمَّا الغَضَبُ نَفْسُه فلا يَتأتَّى النَّهيُ عنه، لِأنَّه أمْرٌ طَبَعيٌّ لا يَزولُ مِنَ الجِبِلَّةِ.. وقيلَ: مَعناه: لا تَغضَبْ، لأنَّ أعظَمَ ما يَنشَأُ عنه الغَضَبُ الكِبْرُ، لكَونِه يَقَعُ عِندَ مُخالَفةِ أمْرٍ يُريدُه، فيَحمِلُه الكِبْرُ على الغَضَبِ، فالذى يَتواضَعُ حتى تَذهَبَ عنه عِزَّةُ النَّفْسِ يَسلَمُ مِن شَرِّ الغَضَبِ.. وقيلَ: معناه: لا تَفعَلْ ما يَأمُرُكَ به الغَضَبُ.. وقد جَمَعَ  فى قَولِه: «لا تَغضَبْ» خَيْرَى الدُّنيا والآخِرةِ، لأنَّ الغَضَبَ يَؤُولُ إلى التَّقاطُعِ ومَنعِ الرِّفقِ، ورُبَّما آلَ إلى إيذاءِ المَغضوبِ عليه.. وردَّد الرَّجُلُ طَلَبَ الوَصِيَّةَ مِن رَسولِ اللهِ  مِرارًا، كأنَّه قال لرَسولِ اللهِ  مرَّةً بعد مَرَّةٍ: أوصِنى يا رسولَ اللهِ، فلم يَزِدْه  فى الوَصِيَّةِ على «لا تغضَبْ» مع تكرارِه الطَّلَبَ.

وعن عائشة  قالت: قال رسول الله : (إن الله رفيق يحب الرفق فى الأمر كله.) «متفق عليه»، وعنها أن النبى  قال: (إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطى على الرفق، ما لا يعطى على العنف، وما لا يعطى على ما سواه) «رواه مسلم».. فى هذين الحديثين الحثّ على الحلم والأناة، والرفق وعدم العجلة، وعدم الغلظة وعدم الشدة، فالمؤمن مطلوبٌ منه الإحسان والرفق فى كل شىءٍ، وعدم الغضب، إلا عند انتهاك محارم الله عزَّ وجل، وفرض على المؤمن أن يُعوّد نفسَه الرفق والحلم، والأناة والصبر فى كل شىءٍ، تأسِّيًا بالنبى عليه الصلاة والسلام.

ومما تقدم، نجد أننا مأمورون بالرفق فى كل شىءٍ، والرحمة، والحلم، والتَّحمل، حتى لا نقع فى المشاكل، فإنَّ الشدة والغلظة تُسبب الوقوع فى المشاكل، والرفق والحلم والأناة والصبر تُسبب العافية، والله جلَّ وعلا يقول: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ «آل عمران: 159»، وفى أهل التقوى والإيمان والجنة، يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ «آل عمران: 134».

لنتدبر، ولنثق بالله ونُكثر من الدعاء والاستغفار والذكر والصلاة على نبينا محمد ، حتى ييسر الله لنا سبل الخلاص من آلامنا وعثراتنا.. ولندعُ الله، بأن يحفظ مصرنا الغالية، ويقينا شرور الأعداء والحاقدين.. ولندعُ الله، بأن يحفظ شعب فلسطين وينصره على غطرسة الكيان المحتل وحلفائه، ويقيه شرورهم، وينصره فى مقاومته ضد الكيان المحتل إحقاقًا للعدل.

حفظ الله المحروسة شعبًا وقيادة، والله غالب على أمره.. وتحيا مصر.