حين يعلن الفريق كامل الوزير نائب رئيس الوزراء وزير الصناعة والنقل بوضوح: «لا إغلاق لأى مصنع»، فهو لا يعلن خبرًا مطمئنًا فقط، بل يعلن تحوّلًا فى طريقة التفكير ، لأن المصنع فى بلد مثل مصر ليس بندًا فى ملف، ولا رقمًا فى ميزانية شركة؛ المصنع شبكة حياة كاملة: عمالة تعيش منه، وموردون يدورون حوله، وتجار يعتمدون عليه، وسلاسل إنتاج تتحرك بوجوده وتتجمد بغيابه وإغلاق مصنع واحد لا يتوقف أثره عند البوابة، بل يمتد إلى السوق كله: نقص فى منتج، ارتفاع فى سعر، تعطل فى مورد، ثم فى النهاية فاتورة استيراد أعلى، وضغط أكبر على العملة، وأمل أقل فى أن نبنى اقتصادًا يقف على قدميه.
المعنى الأعمق من «لا إغلاق» هو الاعتراف بأن علاج الصناعة لا يكون بإطفاء الأنوار، بل بإصلاح الأعطال .. هذا بالضبط ما تقودنا إليه التصريحات: اتجاه للتقنين، ودعم للعمال، وحسم فى تبعية كيانات بعينها مثل هيئة القطن تحت مظلة الاستثمار، هنا نحن أمام فلسفة مختلفة: بدل أن نترك المصانع تنزف حتى تموت ثم نرث الخراب، نُدخلها فى نظام واضح، ونفتح لها بابًا قانونيًا لتسوية أوضاعها، ونحمى العامل من أن يدفع ثمن أخطاء لا يملكها.
وهنا أصل إلى ما أراه أهم من أى قرار مكتوب: أجريت أكثر من حديث مع كبار رجال الأعمال خلال الفترة الماضية، وتطرق الكلام إلى الصناعة وما يحدث فيها، وكان اللافت أن كثيرين أجمعوا على أن هناك طفرة حقيقية فى التواصل المباشر مع رجال الأعمال ومؤسسات القطاع الخاص والشركات والمصانع ليس تواصلاً لالتقاط الصور، بل لحل المشكلات فورًا، بعيدًا عن بيروقراطية مُعطِلة تستهلك الوقت وتقتل الرغبة فى الاستثمار، وهنا يكمن السر فى (الثقة) التى تولدت من ممارسات أدت إلى حلول لمشكلات ما كانت تجدى معها طرق ودهاليز أشبه بالمتاهة من لوائح عقيمة عفا عليها الزمن.
بعض رجال الأعمال وصف الفريق كامل بعبارة بسيطة لكنها كاشفة: «راجل جدع» على طريقة ولاد البلد، والعبارة هنا ليست مجاملة شعبية؛ هى توصيف لأسلوب إدارة يختصر المسافة بين القرار والنتيجة .. وتابعت هذا بنفسى حين التقيت الفريق كامل فى مكتبه بوزارة الصناعة: كيف يطلب المستثمرون، ساعياً إلى حل مشاكلهم، وكأنه يضع أمامه قاعدة واحدة: المصنع لا ينتظر، والوقت فى الصناعة ليس رفاهية.
أحد رجال الأعمال قالها بوضوح: الرجل يقوم بما يجب أن تقوم به مؤسسة كاملة، وهذه شهادة مهمة لأنها تلمس جوهر الأزمة القديمة: لم تكن الصناعة فى مصر تفتقد الأفكار فقط، بل كانت تفتقد «من يملك شجاعة التنفيذ»، ومن يفتح باب الدولة أمام المستثمرين بدل أن يتركهم فريسة للجان ومكاتب الموظفين.
أكبر مكسب تحقق فى الفترة الماضية كما لمسته من هذه الأحاديث ليس قرارًا بعينه، بل مساحة الثقة والمصداقية التى بدأت تتشكل بين الوزارة ورجال الأعمال والمستثمرين .. هذه العلاقة الجديدة، حين تتماسك، تصبح جزءًا من البنية التحتية للاقتصاد مثل: الطرق والموانئ لأن المستثمر قد يتحمل سعر طاقة أعلى قليلًا، وقد يتحمل منافسة شرسة، لكنه لا يتحمل الغموض ولا يحتمل أن يظل أسيرًا لإجراءاتٍ لا تنتهى.
«لا إغلاق لأى مصنع» ليست جملة للاستهلاك الإعلامى هى اختبار يومى: هل نستطيع أن نُنقذ المتعثر بدل أن ندفنه؟ هل نُقنن لنُدخل المصانع فى الضوء بدل أن نطاردها حتى تختنق؟ هل نحمى العمال لأنهم خط الدفاع الأول عن الإنتاج؟ وهل نُدير ملفات مثل القطن بعقل استثمارى يصنع قيمة لا يكرر الأخطاء؟
إذا تحولت هذه الروح إلى سياسة ثابتة، وإذا تُرجمت الثقة التى يتحدث عنها رجال الأعمال إلى قواعد عمل واضحة، سنكتشف أن الصناعة لا تعود «قطاعًا» داخل الاقتصاد بل تصبح سلطة اقتصادية تحمى الدولة من تقلبات العالم يومها فقط نفهم لماذا كانت كلمة «لا إغلاق» مُستحقة أن تُكتب عنوانًا عريضًا: لأنها تعنى ببساطة أن الدولة قررت أن تُصلح، لا أن تُغلق الباب وتغادر.

من رحم «النكسة» وٌلد «العبور»
عمرو الخياط يكتب: المسئولية المجتمعية لوزارة الداخلية
الكونجرس الأمريكى ضد الحرب.. من يؤيدها؟!







