يوم العربية

لغتنا.. من محراب الجمال إلى آفاق الإنسانية

د ممدوح سالم
د ممدوح سالم


ممدوح سالم

إنّ الذى مَلَأَ اللغاتِ مَحَاسِنًا .. جَعَلَ الجَمالَ وسَرَّهُ فى الضّادِ
فى حرم الجمال تتصدر لغتنا الجميلة صدارة المحراب، وتعكس جمالها على متحدثيها، فتكسبهم أدبًا وعلمًا ورفعة وخلقًا عظيمًا، بل تحملهم من سفوح البشرية الصماء إلى آفاق الإنسانية ورحابات النفس السمحة العلياء...
بهذا السمو تطل علينا لغة الضاد فى الثامن عشر من ديسمبر من كل عام، لنجدد الاحتفاء بها فى يومها العالمي؛ احتفاءً لا يليق إلا بلغة ارتقت بمتحدثيها، وحملت على عاتقها أثمن كنوز الحضارة. فاللغة العربية لم تكن يومًا مجرد وسيلة للتفاهم، بل كانت ولا تزال وعاءً مقدساً للقرآن الكريم كتاب الأمة الخالد، ومنارًا قاد البشرية عبر عصور من الظلام.
إنها المعين الذى نهل منه الأدباء والشعراء فأبدعوا وأهدوا العالمين روائع البيان، وهى الأساس الذى شيد عليه العلماء صروح المعرفة فى الطب والفلك والرياضيات، وظلت جسرًا متينًا نقل العلوم من الشرق إلى الغرب. إنها بحقٍ صدارة المحراب التى تورث أهلها علمًا ورفعة تليق بمن يحمل هذه الأمانة العظيمة.
لكن عظمة هذه اللغة لا تكمن فقط فى جانبها العلمى أو الأدبي، بل تتجاوز ذلك إلى الجانب الأخلاقى والروحى العميق.
إن اللغة العربية بما تحمله من دقة فى التعبير وثرائها فى المفردات، تتيح لمتحدثها الانفتاح على أسمى معانى الخير والتسامح والعدل، وهى ذات اللغة التى تصفح الأخطاء بـ «العفو» و»الصفح» و»المغفرة»، وتفصل بين درجات المحبة ودرجات الحزن؛ ما يجعلها أداة لتهذيب النفس والسمو بالوجدان.
وهنا يتجلى المعنى العميق الذى أشرنا إليه: كيف يمكن للغة أن تحمل الإنسان من سفوح البشرية الصماء إلى آفاق الإنسانية ورحابات النفس السمحة العلياء؛ إنها لغة الخلق العظيم التى تفتح العقل والقلب معًا.. وهنا أقول إن ثمة تحديات فى زمن التحولات الرقمية السريعة والتدفق المعلوماتى غير المسبوق تستوجب الالتفات نحو تعاظم مسئولياتنا تجاه لغتنا الجميلة، فواجب اليوم العالمى للغة العربية لا يقتصر على التغنى بجمالها، بل هو دعوة لتفعيلها ومواجهة تحدياتها. فصناعة المحتوى الرقمى المتميز بها، وتدريسها بوسائل عصرية ومبتكرة، وإعادة مكانتها فى حياتنا اليومية بعيدًا عن الركون المفرط للعامية أو اللغات الأجنبية، هو السبيل الوحيد لضمان استمرار صدارتها.. إننا مطالبون بأن نكون خير سفراء لهذه اللغة، وأن نرى فيها هويتنا التى لا تذوب، والمستقبل الذى لا ينفصل عن أصالتنا.
وفى ختام هذا اليوم العظيم، ندرك أن الاحتفال باللغة العربية يجب أن يكون احتفالاً مستمرًا على مدار العام؛ فهى ليست مجرد ذكرى عابرة، بل هى نبض حياتنا وروح هويتنا. فلنجعل من كل كلمة نكتبها أو ننطقها باللغة العربية الفصحى دليلاً على تقديرنا لهذا الجمال، وشهادة على أن لغتنا ستبقى خالدة، متصدرة محراب الجمال، وناقلة لنا إلى أسمى مراتب الأدب والعلم والخلق العظيم.