يوميات الأخبار

أم كلثوم.. عُقد الفل على صدر مصر

يوسف القعيد
يوسف القعيد


أيها الصوت من السماء، يا حبيبة الملايين، وكل معنى كريم يا أم كلثوم حين غنيتِ أوبريت رابعة العدوية، شدا صوتك وإن بكى

تُهدى صاحبة الكتاب المهم الدكتورة نعمات أحمد فؤاد- 25 يناير 1924 / 1 أكتوبر 2016- كتابها إلى أم كلثوم، كتابها وعنوانه: (أم كلثوم عصر من الفن)، صادر عن دار الهلال، وأتمنى من القائمين على النشر فى الدار إصدار طبعة جديدة منه لأهميته وقيمته وبُعد سنة صدوره عنا فى مصر والوطن العربى والعالم الإسلامى.
وتكتُب:
- أيها الصوت من السماء يا حبيبة الملايين، وكل معنى كريم يا أم كلثوم حين غنيتِ أوبريت رابعة العدوية، شدا صوتك وإن بكى. ثم طار على جناحين إلى السماء مُعلناً صعود رابعة إلى الملأ الأعلى. وأنتِ الآن فى طريقك إلى عالم الحور والنور. وشفت الرؤيا وانجلى البصر، فهل تذكرين كيف تعارفنا؟
كتبتُ إليكِ وأنا طالبة بالجامعة، ولا أزال، بعد ليلة من لياليكِ، وما أكثر لياليكِ، وما أهنأ لياليكِ، وما أبعد الآن عنا لياليكِ. كتبتُ إليك خطاباً ظللت تعتزين وتحتفظين به. وحتى قبل أن ترانى عيناكِ أو تراكِ عيناى. وطلبتِ أنتِ أن تلقى صاحبة هذا الخطاب، وتلاقينا. وكان ملحنك القصبجى حاضراً اللقاء.. وأنا أسمعك، ومن ورائك الشهرة والمجد والأضواء، وأنتِ تقولين لى ما قلتِهِ وأنا طالبة جامعية.
قريتها
هى قرية صغيرة متواضعة، قديمة كسائر القرى، ولكن القاموس الجغرافى كانت له وقفة محققة، كما لو كان الأمر يتعلق بالقاهرة، بما يدور حول اسمها وعمرها من اختلافٍ تقليدى وجدلٍ تاريخى. والقرية التى جاءت منها اسمها: طموية، وُرِدَ اسمها بالكُتب القديمة، إلى أن سُمِّيت: طماى الزهايرة.
وتقول المؤلفة أن عدد النساء فى قرية طماى حسب التعداد الأخير وقتها يزيد على عدد الرجال. وهكذا تتفوق نساء طماى كماً وكيفاً. ثم تصل للحظة ميلادها، عندما دخل الشيخ إبراهيم السيد على زوجته بعد الولادة ليطمئن على امرأته، وسألته زوجته عن الاسم التى تُطلقه على المولودة. ولم يتخل الرجل عن إيمانه الذى يلتمس منه البركات ويستبشر بالرؤى. وقال لها: نسميها: أم كلثوم.
وتداخلت الأصوات المختلفة بعضها فى بعض. البعض يقول نسميها خضرة. والآخر يقترح بدوية. وست الدار أيضاً. ولكن والدها تمسك برأيه وأصر على اسم أم كلثوم.
متى بكت بطلتنا؟!
هذا العصر الذى عاشته أم كلثوم كان مليئاً بالأسماء الكُبرى التى أحاطت بها، وارتبطت بزمنها. عرفنا منه أحمد رامى الذى كان يجلس خلفها فى حفلاتها. وقد كان من حسن حظى الشخصى أننى قابلته، وأجريت معه حواراً منذ سنواتٍ بعيدة.
نصل إلى منتصف الأربعينيات، حيث بدأت الأفلام تغمر الأسواق، وكان يُعرض فيلمان فى الأسبوع، وكان نجوم هذه الأفلام: شادية وليلى مراد ونعيمة عاكف وعبد العزيز محمود. وفى عام 1947 بكت أم كلثوم مرتين. مرة عندما توفيت والدتها، والأخرى عندما سمعت منيرة المهدية بعد عودتها للغناء.. عادت منيرة المهدية للغناء فى هذا العام، وسعى بعض الناس بعد ظهورها إلى أن تُصاب أم كلثوم بحالة اهتزاز. ولكن أم كلثوم نجت من هذه المحاولة، بل ذهبت بنفسها لكى تسمع منيرة المهدية، وصفقت لها. وبدأت الصحف تتحدث عنها وتصفها بالتلميذة. ويقولون أنها غنت فى بعض البُلدان بلا أجر فنالت الإعجاب. وأنها غنت أمام بعض الملحنين فباركوا صوتها. وكيف أن عائلتها تصرف على صوتها نحو أربعين جنيهاً فى الشهر. وكيف أنه ينتظرها مستقبل رائع إذا اعتنت بصحتها. وكيف وكيف. وهكذا توالت الأسئلة التى تظهر مع كل نجمٍ جديد، والتى يتولى النجم الجديد تكذيبها بنفسه، ولو صدق المنجمون.
سنة 1949
فى هذه السنة اشتركت أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب فى فيلم سينمائى تحت إشراف وزارة الشئون الاجتماعية. ففى هذه السنة صعد على المسرح فتى نحيل تقتحمه الأعين، غنى: صافينى مرة وجافينى مرة. ولكن الجمهور جفاه. ثم ما لبثت الأذن العربية أن عرفته، وأدركت أن فى صوته نكهة خاصة. هى رقة الحنان والشجو والرجولة معاً.
كان هذا الفتى الذى عرفناه لاحقاً هو عبد الحليم حافظ أو العندليب الأسمر. ومن الغريب أن أغنية «صافينى مرة» تُعد إحدى روائعه، لأنه إذا صادفه الحظ جافته الصحة. وكان لا يُهادن المرض ويستمر فى الغناء. ويقول طبيبه الإنجليزى إن المرض كان كامناً تحت غشاء الفتى، متواضعاً ومختفياً. لكن المرض وجد فى هذا الشاب مرعى ومرتعاً.
إن قصة أم كلثوم وزمنها، ومن غنوا معها، هى قصة مصر فى هذا القرن الجميل الذى عرفت فيه من المطربات والمطربين أسماءٌ كثيرة.
مرض أم كلثوم
وقد حدث أن مرضت أم كلثوم بالغُدة الدرقية، وسرت الشائعات وقتها أنها قد لا تستطيع أن تُغنى. وابتهل الشعبُ للسماء أن يُشفى الله أم كلثوم. وعرضت أمريكا على مصر وقتها أن تُعالج أم كلثوم بمستشفى البحرية الأمريكية. وقَبِلت مصر الدعوة، وقبلتها أم كلثوم. وكان سفير مصر وقتها يسأل المستشفى عن تطور العلاج صباح مساء.. بل إن طبيبين أمريكيين اهتما بها اهتماماً فائقاً. فأقام سفير مصر حفلة عشاء مصرية تكريماً للطبيبين. وعند عودتها من أمريكا مرت بأوروبا. فأعلن راديو باريس النبأ، وبدت أجهزة الإرسال تتحرك فى رِكابها وتذيع وقع خطواتها، لا فى مصر وحدها، بل فى أوروبا أيضاً.
وفى إنجلترا أقام النادى المصرى فى لندن حفل تكريمٍ لها. وأصبحت مصر تترقب وصول باخرتها. فلما لاحت من بعيد استقل الكثيرون الزوارق لتحيتها فى عرض البحر. ووصفت إحدى الصحف الكُبرى استقبالها فقالت: وقد استُقبلت أم كلثوم فى الإسكندرية استقبالاً شعبياً رائعاً، فخرجت اللنشات البخارية والزوارق إلى عرض البحر انتظاراً لوصول الباخرة. وكان من أجملها لنش كبير امتلأ بالفنانين والفنانات من الإسكندرية والقاهرة، وقد أخذوا يغنون أغنية مخصوصة مطلعها: حمد الله على السلامة.. ولما وصلت الباخرة أطل رُكابها وفى مقدمتها أم كلثوم على هذا المشهد الجميل، وراحوا يحيون هذه المظاهرة الموسيقية الرائعة. وقد كتب الأستاذ العقاد قصيدة يصف فيها ما جرى.
أم كلثوم والأدباء
فى خمسينيات القرن الماضى اتجهت السينما المصرية إلى الأدب المصرى تأخذ منه قصصاً، وخاصة قصص الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف السباعى ويوسف إدريس وعبد الحليم عبد الله. كما أخذت دعاء الكروان لطه حسين. وفى سنة 1951 غنت أم كلثوم قصيدة شوقي: «إلى عرفات الله»، كما غنت لرامى والسنباطى مونولوجين: «غلبت أصالح فى روحي»، و»غنى الربيع بلسان الطير».. وفى 1952، غنت أم كلثوم مطولة رائعة هى مونولوج: «جددت حُبك ليه؟»، وهى من أغانيها الباقية. وغنت: «صوت الوطن»، وهى أغنية وطنية. وفى آخر عام 1952، أُصيب زكريا أحمد بالذبحة الصدرية، وذهبت أم كلثوم إلى أمريكا للعلاج.
زواجها
خطبها الفنان محمود الشريف، فتشجَّع الدكتور الحفناوى على الدخول. كان يتصور أنها استبعدت الزواج، أو أن هناك من هم ألمع منه ممن يحيطون بها. فجاءت الخطوبة الأولى، وملأته ثقة بنفسه فتقدم. وفى 17/9/1954 نشرت الصحف نبأ عقد قرانها من الدكتور حسن سيد الحفناوى، الأستاذ المساعد بكلية طب قصر العينى.. إنها أكثر من خمسمائة صفحة من القطع الكبير، تحكى عن أم كلثوم عُقد الفل على صدر مصر، وسيدة الكل بين سيدات مصر.