حلوانى الملك |40 مترًا تحكى قصص نجوم السياسة والفن بقصر النيل

الجيل الثالث يتوارث المهنة عن حب
الجيل الثالث يتوارث المهنة عن حب


أمنية شوقى

على مساحة لا تتجاوز 40 مترًا، يقف محل صغير فى شارع قصر النيل شاهدًا على تاريخ يمتد إلى قرن كامل.. ورغم توالى الأجيال وتبدل ملامح القاهرة على مدار مئة عام، يبقى المكان كما هو: بروحه القديمة، ورائحته التى تعيد الزائر إلى طفولته، حين كان يمد يده الصغيرة ليلتقط قطعة من الحلوى التى لا يتجاوز ثمنها «قروشًا»، لكنها تملك سحرًا يعيد للذاكرة لذّة الماضى.

اقرأ أيضًا | الملك فؤاد الأول.. اعترفت بريطانيا في عهده بمصر دولة مستقلة

يستقبل الزائرين بابتسامة ودودة، نادر نبيل أحمد عطية، الحفيد الوحيد لمؤسس المحل أحمد عطية المعروف بلقب «حلوانى الملك» ليحكى لنا قصة المكان وعلاقته بالملوك والفنانين والمشاهير.. يقول نادر إن جده أسس محل حلوانى النيل عام 1928، وكان يجاوره آنذاك محلان للحلويات الشرقية قبل أن يغلقا فى الأربعينيات بعد وفاة أصحابهما.. ومنذ ذلك الوقت، أصبح محل جده هو الأشهر والوحيد فى شارع قصر النيل، خاصةً بعدما أصبح وجهة مفضلة للملك فؤاد الأول، الذى كان يتردد عليه خصيصًا لتذوق عيش السرايا والملبن بالقشطة وسد الحنك.

وكان الملك يتناول حلوياته فى الدور العلوى من المحل، وهو ركن خصَّصه أحمد عطية لجلالته، وأغلق  هذا الركن بعد ذلك ليصبح سر تسمية المحل بـ«حلوانى الملك».. ويضيف نادر أن الملك كان يرسل أحيانًا فى طلب أنواع معينة من الحلوى ليحضرها له صاحب المحل خلال سهراته فى شارع قصر النيل، تعبيرًا عن عشقه لها، ويكشف أن الكثير من أبناء الجيل الحالى لا يعلمون أن الحكومة فى الستينيات قررت تحويل شارع قصر النيل إلى اتجاه واحد، ونشر ذلك آنذاك فى الصحف الرسمية، معلنة أن السبب هو التزاحم الشديد أمام محل حلوانى النيل الذى كان يشتهر بالكنافة والبسبوسة بالقشطة وعيش السرايا وحلوى المولد النبوى المتوافرة طوال العام، بخلاف أغلب المحال فى تلك الفترة.

ولم يكن الملك فؤاد وحده من روّاد المكان، فقد تردد عليه كبار الفنانين والمشاهير مثل محمد عبد الوهاب، فريد شوقى، صباح، نادية لطفى، عبد العزيز محمود، هانم محمد، تحية كاريوكا، ماجدة الصباحى، مريم فخر الدين، وسامية جمال التى كانت تحب أنواعًا معينة من الحلوى وتأخذها فى سفرها إلى الولايات المتحدة لإهدائها لأصدقائها هناك.

بعد وفاة المؤسس عام 1968، تولى الابن إدارة المحل، وظلت الديكورات كما هى رغم محاولته التحديث؛ إذ رفض الزبائن أى تغيير حفاظًا على روح المكان. حتى لافتة المحل بقيت كما وضعها أحمد عطية منذ البداية، وفى تلك الفترة، أصبح من روّاد المحل أيضًا: نور الشريف، سمية الألفى، سهير رمزى، فاروق الفيشاوى الذى كان يعشق عيش السرايا، إلى جانب بعض رجال السياسة الكبار وعلى رأسهم الدكتور كمال الجنزورى رئيس الوزراء الأسبق، والوزير المعروف كمال الشاذلى.

ومع توسع الطلب وتنوع الأذواق، أدخلت العائلة أنواعًا جديدة من الحلويات، وساعدهم على ذلك وجود مصنع خاص خلف المحل ببضعة أمتار.. ورغم حصول نادر على ليسانس الحقوق، فإنه اختار العمل مع والده حبًا للمهنة ورغبة فى الحفاظ على إرث العائلة.. وبعد وفاة والده عام 2009، تولى إدارة المحل محافظًا على روحه.. ورغم كل هذا النجاح، يواجه نادر تحديًا كبيرًا يشبه ما يمر به كثير من محال وسط البلد ذات عقود الإيجار القديمة.. إذ يسعى حاليًا للتوصل إلى اتفاق مع ورثة مالك العقار لتجديد عقد الإيجار.