وجوه فى معرض الكتاب

طوغان.. مائة عام من السخرية الراقية وريشة صنعت ذاكرة الفن والصحافة

.
.


يولد بعض الفنانين من رحم اللحظة، ويعبُر آخرون حدود الزمن، لكن قِلّة فقط أولئك الذين يتحوّلون إلى ضحكةٍ باقية وسؤالٍ دائم فى ذاكرة الناس، ومن هذه القلة كان طوغان؛ الفنان الذى لم يرسم خطوطًا على ورق بقدر ما رسم ملامح عصر، وأعاد تشكيل العلاقة بين الإنسان والسخرية، وبين الألم والحكمة.
كان طوغان يلتقط المفارقات من قلب الشارع، يفتش عن البساطة فى صخب الأحداث، ويحول الفكرة الثقيلة إلى ابتسامة خفيفة لا تنسى، كأن ريشته بوصلته، وكأن السخرية لغته الأم، وكأن الحياة كلها لوحة تنتظر تعليقًا ساخرًا يعيد ترتيب مشاهدها.
وفى الذكرى المائة لطوغان، جاء معرض القاهرة الدولى للكتاب فى دورته السابعة والخمسين، ليقف أمام سيرته وقفة تقدير، ويحتفى بمئوية فنان لم تفارقه روحه الطفولية ولا حدة نظرته يومًا.
بدأ طوغان مسيرته فى وقت مبكر، مستندًا إلى موهبة لافتة وقدرة على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى رسائل ذكية، وشكل نفسه بنفسه؛ قرأ كثيرًا، ورصد المجتمع من زوايا غير مألوفة، فتكونت لديه رؤية إنسانية واسعة جعلت رسوماته أقرب إلى «حكمة ساخرة» منها إلى مجرد كاريكاتير.
وتمتع أسلوبه الفنى، بالبساطة العميقة: خطوط قليلة، لكنها تفتح بابًا واسعًا للتأمل، والسخرية الراقية: نقد لاذع دون تجريح، وتهكم يضرب الهدف دون أن يفقد أناقته، والانحياز للإنسان: كان الإنسان البسيط بطله الأول، وصوته الذى لم ينقطع.
أثرت أعماله فى أجيال من فنانى الكاريكاتير، وأصبحت بعض رسوماته علامات بارزة فى الذاكرة الصحفية والفنية العربية.
لم يكن طوغان مجرد رسام، بل صحفيًا حاضرًا فى قلب الأحداث.
عمل فى عدد من المؤسسات الصحفية، وارتبط اسمه بمقالات ورسومات شكلت معًا خطابًا بصريًا وفكريًا له خصوصيته، كان يتعامل مع الرسم بوصفه «خبرًا بصريًا»، قادرًا على تلخيص ما لا تقوله المقالات، وعلى كشف ما يقع بين السطور، من خلال متابعة دقيقة للشأن العام وتحولات المجتمع، وجرأة فى الطرح دون فقدان احترامه لمهنة الصحافة، قدرة على تقديم نقد اجتماعى وسياسى عميق بلغة يفهمها الجميع.
ترك طوغان بصمة مؤثرة فى الصحافة الساخرة، وأصبح واحدًا من الأصوات التى ارتبطت بوعى القارئ العربى لعقود طويلة.
وراء كل رسام ساخر روح تحمل قدرًا من الحساسية، وطوغان لم يكن استثناء، كان قريبًا من الناس، يعايشهم، يستمع لهم، ويحوّل أحاديثهم اليومية إلى مادة فنية.
عرف عنه الهدوء والعمق، وامتلك روحًا مرحة لا تنفصل عن فنه، وتواضعًا يجعله أقرب إلى البسطاء الذين أحبهم ورسم همومهم، ورسم ملامح شخصيته ليرى الجميع انه كان محبا للمعرفة والقراءة، صاحب روح ساخرة فى حياته اليومية كما فى رسوماته.
انعكست شخصيته الدافئة على أعماله، فبقيت رسوماته تحمل صدقًا إنسانيًا وشعورًا بأن من رسمها كان يرى العالم بعين محبة رغم نقده اللاذع.
بمئوية طوغان، لا نحتفى فقط بفنان كبير، بل بتاريخ من الضحك الراقى والفكر العميق. كانت تجربته جسرًا بين الكلمة والصورة، بين الواقع والسخرية، وبين الألم والابتسامة.
وقد أعاد معرض القاهرة الدولى للكتاب 2026 تقديم هذه التجربة للأجيال الجديدة، ليبقى طوغان حاضرًا فى الذاكرة الفنية والثقافية، ولتبقى ريشته شاهدًا على زمن كان الضحك فيه سلاحًا والمعنى هدفًا.