في زقاقٍ هادئ من أزقة الدرب الأحمر، يقف بيت الرزاز شامخًا كشيخٍ وقور يحمل ذاكرة خمسة قرون من تاريخ القاهرة، ذلك البيت الذي مرّت على جدرانه أمواج من السلاطين والأمراء والحرفيين والزوّار والمصلحين، حتى صار اليوم واحدًا من أجمل بيوت العمارة الإسلامية الباقية.
وبينما ينساب ضوء الصباح عبر مشربياته الخشبية، يُحس الزائر كأنه يدخل صفحات كتابٍ قديم تُروى فيه أسرار المماليك والعثمانيين، وحكايات العائلات التي سكنت المكان، لم يكن غريبًا أن يختاره الأمير تشارلز ليكون إحدى محطات زيارته لمصر، فهو بيتٌ يحكي التاريخ دون أن يتكلم.
◄ حكاية بيت الرزاز
تبدأ قصة بيت الرزاز في القرن الخامس عشر، حين أمر السلطان المملوكي الأشرف قايتباي سنة 1480م ببناء المنزل الشرقي ليكون مقرًا راقيًا من طراز البيوت السلطانية، هذا الجزء الأول حمل ملامح العمارة المملوكية في أدق تفاصيله:

شبابيك خشبية محلاة بزخارف هندسية، وأسقف مطلية بعناية، وممرات داخلية توازن بين الخصوصية والرحابة، كان البيت حينها نموذجًا لما يُعرف ببيوت الأمراء، حيث يجتمع الفنّ بالسلطة، والسكن بالرprestige، ليخرج مبنى يليق بمكانة دولة كانت في أوجها.
◄ أحمد كتخدا الرزاز يدخل المشهد
يمضي الزمن، وتصل الحكاية إلى القرن الثامن عشر، حين يظهر اسم أحمد كتخدا العزبان الرزاز، حفيد تاجر الأرز الكبير خليل كتخدا، كان الرجل ذا نفوذ ومكانة، وقد منحه الوالي منصب الرزاز، أي المسؤول عن جباية محصول الأرز من أقاليم مصر، وهو منصب شديد الأهمية.
قرر أحمد كتخدا أن يشيّد لنفسه بيتًا جديدًا ملاصقًا لبيت قايتباي، فبنى المنزل الغربي سنة 1778م على طرازٍ عثماني راقٍ، ثم دمج البيتين في مجمعٍ سكني ضخم لتسكنه العائلة كلها، هكذا أصبح بيت الرزاز صرحًا فريدًا يضم: أكثر من 170 غرفة

تمتد على مساحة 3400 متر مربع، وتحتوي على فناءات، ومشربيات، ومقعد صيفي، وحرملك وسلاملك، وغرف خدم ومخازن ومطابخ.
◄ حرملك وسلاملك
لم يكن البيت مجرد مسكن، بل كان نظامًا اجتماعيًا متكاملًا:
- الحرملك
وهو الجزء المخصص للنساء، وكان يقع عادة في الطابق العلوي. صُممت المشربيات الخشبية الدقيقة لتسمح بالتهوية والإنارة دون كشف من بالداخل، مما يعكس عبقرية العمارة الإسلامية في تحقيق الخصوصية الأنيقة.
- السلاملك
وهو المكان الذي يستقبل فيه الرجال والضيوف، ويضم المندرة الشهيرة، التي تُعد اليوم أكبر مندرة تاريخية باقية في القاهرة حتى الآن.
◄ الزيارة الملكية: الأمير تشارلز وبيت الرزاز
حين زار الأمير تشارلز ودوقة كورنوول مصر بعد قمة المناخ COP26، كان بيت الرزاز أحد أهم محطات الزيارة، اختيار المكان لم يكن عشوائيًا؛ فالأمير معروف بشغفه بالعمارة التقليدية والحرف التراثية والتنمية المستدامة.
اقرأ ايضا| «التوابيت المصرية عبر العصور».. رموز جنائزية تكشف فلسفة الخلود

خلال الزيارة: التقى الأمير بحرفيي الدرب الأحمر، واطلع على مشروعات الحفاظ على التراث، وناقش سبل دعم الحرف التقليدية، كما أبرز دور مصر في حماية التراث الثقافي والديني، لقد كان بيت الرزاز، بما يحمله من أصالة وعمق، المكان الأنسب لاستقبال ضيفٍ يحمل نفس الاهتمام بالحفاظ على التاريخ والعمارة التقليدية.
◄ الترميم.. حين يعود البيت إلى الحياة
مرّ البيت بفترات إهمال طويلة بعد رحيل سكانه، حتى بدأت جهود إعادة إحيائه، وفي عام 2007، قاد المركز الأمريكي للبحوث في مصر أكبر مشروع لترميم الجزء الشرقي من البيت، بإعادة تأهيل الشبابيك والمشربيات والألواح الخشبية، وتقوية الأسقف والجدران، مع الحفاظ على كل عنصر كما كان في الأصل، البيت اليوم مسجل كأثر إسلامي منذ سنة 1960م، ويُعد واحدًا من أندر البيوت المملوكية والعثمانية الباقية.
◄ منطقة الدرب الأحمر.. كنز لا يُكتشف
على الرغم من أن الدرب الأحمر من أهم مناطق القاهرة التاريخية، إلا أن كثيرًا من المصريين لم يزوروها، هي منطقة غنية بعمارة لا مثيل لها، ومساجد ومدارس وبيوت تاريخية تمتد عبر 1000 عام.

الزيارة صباحًا، خاصة يوم الجمعة، تكشف سحر الأزقة القديمة وروح المكان، وغالبًا ما يصادف الزائر مرشدين متطوعين يشرحون تاريخ الحي ومعالمه، والأجمل أن زيارة تلك الآثار مجانية بالكامل، يقف بيت الرزاز اليوم شاهدًا على أطوار متعددة من تاريخ مصر: من زمن المماليك إلى العثمانيين، ومن بيوت الأمراء إلى عمليات الترميم الحديثة.
إنه بيتٌ ليس مجرد أثر، بل حكاية كاملة عن القوة، الثراء، العمارة، المجتمع، والتحولات التي مرت على القاهرة القديمة، ومن يخطو داخل فناء هذا البيت يشعر بأن الجدران ما زالت تحفظ أصوات سكانها وذكرياتهم، وتستقبل الزائر كأنه جزء من قصة ما زالت تُروى.

حكايات من كيمت| السر المدفون.. كيف أعادت مقبرة حورمحب رسم تاريخ وادي الملوك؟
«التلمذة الصناعية».. تصحيح مسار أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟







