يوميات الأخبار

القطار يرجع إلى الخلف!

السيد النجار
السيد النجار


الصياغة «الإبداعية» حسب وصف نتنياهو للقرار الأمريكى الصادر من مجلس الأمن.. تحدث فوضى وتشعل حربًا.. لا تحقق هدوءًا ولا تقيم سلامًا

أكاد أسمع صوت أنتونى بلينكن وزير الخارجية الأمريكى السابق يحدث نفسه همسًا «يا إلهى» فعلها نتنياهو.. استطاع أن يسخر إدارة ترامب لتصدر له قرارًا من مجلس الأمن.. لا يحقق فقط ما يصبو إليه ولكن ما يفوق أحلامه.. قرار ينسف كل قرارات الأمم المتحدة على مدى عشرات السنين، والتى تحافظ على حقوق الفلسطينيين وتدين ممارسات إسرائيل ضدهم.. من اليوم.. سيعتبر نتنياهو كل هذه القرارات لاغية ويتمسك فقط بهذا القرار المسمى خطة سلام فى غزة.. إذن.. لا حديث بعد اليوم.. لا عن القدس.. ولا دولة فلسطينية.. ولا انسحاب من الأراضى المحتلة.. ولا حدود 67.. ولا حق لاجئين.. ولا وقف للمستوطنات.. ولا.. ولا.. ولا شعب فلسطينى..! نصبوه وصيًا على غزة.. أطلقوا يده فى المنطقة بأكملها تحت مسمى «قوة سلام».. أنقذوه من حماس ووضعوا المجتمع الدولى فى مواجهتها بدلًا من إسرائيل.. العالم الذى كان بالأمس فى مواجهة عدوان إسرائيل.. اليوم أصبح نائبًا عنها وممثلًا لها.. دقوا أسفينًا فى التيار الجارف شعبيًا ورسميًا المؤيد للفلسطينيين والمعادى بعنف لإسرائيل.. أعطوه أمانًا وفتحوا له مسارًا للتطبيع.. لا مسارًا للسلام.

لكن.. حسب خواطرى.. لماذا يهمس بلينكن بهذا الكلام.. لابد من العودة إلى الوراء قليلًا لنعرف السبب.. ولماذا يبدى استغرابه وقد يكون استنكاره لقرار مجلس الأمن.. رغم تعصبه اليهودى وهويته الصهيونية.. واقعة يرويها الكاتب الأمريكى الأشهر «يوب ودورد» من واقع محضر الاجتماع بين نتنياهو وبلينكن فى 9 يناير 2024. ففى محاولة منه لمغازلة نتنياهو بتحقيق نجاح شخصى فى مجال التطبيع بمحو عار هجوم 7 أكتوبر لدى الإسرائيليين، قال بلينكن الأمر يحتاج بناء على ما سمعته فى المنطقة إلى مسار فلسطينى «يقصد مسارًا يصل إلى سلام وإقامة دولة فلسطينية».. سأل نتنياهو ماذا يعنى ذلك؟.. أوضح بلينكن يجب أن تقدموا شيئًا يمكن للناس أن يؤمنوا به ويصدقوه.. قال نتنياهو.. حسنًا أعتقد أننا نستطيع العمل على شىء ما.. سنحتاج إلى صياغة إبداعية للموضوع.. قال الوزير الأمريكى.. إذا كان الأمر صياغة إبداعية فلن يكون هناك شخص واحد على هذا الكوكب يصدق أنك لن تجد وسيلة للتهرب من أى كلمات تضعها على الورق.. ذلك لن ينفع.. أنهى نتنياهو الحديث بقوله.. دعنا نعمل على الأمر.. ولم يدع دريمر مستشار نتنياهو الفرصة للتعبير عن استهجانه لكلام بلينكن واستنكار فكرة دولة فلسطينية المرفوضة إسرائيليًا.. فقال.. تمام.. ولنجعل 7 أكتوبر عيدًا لاستقلال فلسطين.

للأسف.. يا بلينكن.. وجدوا من يصدق أوهامًا باعوها فى صك قرار دولى.. ونجحت الصياغة الإبداعية لنتنياهو.. وزاد عليها أنها ليست ثنائية مع الفلسطينيين ولكن بقرار دولى هو الأسوأ من وعد بلفور 1917.. دعنا من كل بنود القرار وكلها تجمل حلقات المصائب.. ولكن أم الكوارث البند الأساسى.. يقول «تمهيد الطريق أمام مسار سياسى قد يفضى إلى إقامة دولة فلسطينية».. ودائمًا ما سترى إسرائىل أن الطريق غير ممهد.. والسبب الفلسطينيون.. و«قد يفضى».. (قد).. والمؤكد أن «قد» هذه لن تفضى إلى شىء.. هل تنجح «قد» فيما فشل بند اتفاق أوسلو.. اتفاق موقع بين الفلسطينيين وإسرائيل.. وأمريكا شاهدة وضامنة.. اتفاق حدد نصًا وليس «قد» مرحلة انتقالية 5 سنوات لإقامة الدولة الفلسطينية.. وبعد 30 عامًا. لم يحدث شىء وتنصلت منه إسرائيل؟!

على ماذا الرهان إذن.. بهذا القرار.. القطار يرجع إلى الخلف.. قطار السلام لم يعد للوراء إلى نقطة الصفر منذ انطلاق مؤتمر مدريد 1991.. ولكن عاد إلى ما قبل الصفر.. مرحلة الجهاد والمقاومة قبل إعلان قيام الكيان الصهيونى.. الصياغة الإبداعية «حسب وصف نتنياهو» للقرار الأمريكى الصادر من مجلس الأمن.. تحدث فوضى وتشعل حربًا.. لا تحقق هدوءًا ولا تقيم سلامًا.. وهو ما اعتادت عليه إسرائيل فى قرارات واتفاقات تحوى كلمات فارغة المضمون.. تلاعب بالألفاظ والصياغات.. لا تنطوى على التزام بقدر ما تتيح الفرصة للتهرب من التنفيذ؟!

ممدانى.. ورياح التغيير

هو.. سيظل رمزًا لأول تغيير حقيقى.. تاريخى.. جارف.. شامل فى أمريكا.. وأهمه صحوة الوعى لدى الجيل الجديد من الشباب تجاه إسرائيل بعد عقود من شعار «هى منا ونحن منها».. هو حالة ستحظى بأولوية مراكز الأبحاث والجامعات.. وموضوع للندوات والمؤتمرات.. ماذا حدث؟.. كيف؟.. ولماذا؟.. هو.. قلب كل مبادلات الحياة السياسية والحزبية.. هو من واجه جبروت منظمة «الإيباك» تجمع المنظمات الصهيونية «يهوداً ومسيحيين».. إيباك.. الاسم المرعب لكل رئيس دولة.. حاكم ولاية.. عضو كونجرس أو أى مسئول كبير.. هو من التف حوله كل الأطياف والأجناس والأعمار.. أول مرشح يحظى بتأييد عام.. المهاجرين.. عرباً.. لاتين.. أفارقة.. آسيويين.. وقبول من أصحاب أصول البشرة البيضاء.. السوداء.. الملونين.. هو من كسر أيضًا النفوذ الشرس لنادى المليارديرات الذين تكاتفوا ضده.. وقادوا أعنف حملة إعلامية لهدمه.

هو الانقلاب.. زهران ممدانى.. العمدة «111» لولاية نيويورك.. الولاية الأشهر.. الأقوى.. بؤرة حياة العالم السياسية والاقتصادية والإعلامية.

لماذا انقلاب؟.. كسر الثالوث المحرم.. مدينة ضد المهاجرين.. ضد المسلمين.. ضد من لا يدعم ويناصر إسرائيل.. فإذا به.. مهاجر.. مسلم.. ضد سياسات إسرائيل.. لماذا انقلاب فى الحياة السياسية والحزبية؟.. أحدث شروخًا كبيرة واختلافات حادة بين النخبة السياسية والحزبية.. بشأن المواقف العمياء والتبعية لإسرائيل.. ارتفع شعار أمريكا أولًا وليس إسرائيل.. لم يعد التصويت للحزب.. ولكن لشخص المرشح ومبادئه وبرنامجه الانتخابى.. عملًا بالمثل الصينى «ليس المهم لون القطعة ولكن المهم أن تصطاد الفئران». لا يهم لون أو دين أو أصول المرشح ولكن المهم أن يحقق مطالب وطموحات المواطن.. لماذا انقلاب؟.. أحدث تغييرًا فى المواقف الثابتة منذ عقود ضد الإسلام والمسلمين.. وارتفعت أصوات أمريكا لا تنهار بسبب الإسلام ولكن بسبب إسرائيل.
لكن كيف سحق ممدانى منافسه.. يبدو لى أن مئات الآلاف التى جابت شوارع نيويورك ضد إسرائىل.. جميعهم توجهوا إلى صناديق الاقتراع لصالح ممدانى ومن بينهم الكثير من اليهود. ولا أبالغ إذا قلت إن رياح التغيير التى هبت على العالم من غزة بدأت فى أمريكا.. واستطاع ممدانى أن يجذب تيارًا جارفًا من أصوات غير المهتمين بالسياسة اقتناعًا منهم وحاجتهم لمرشح يعطى أولوية لبرامج الحماية الاجتماعية للفقراء.. سكن.. صحة.. تعليم.. خدمات.
فى اليوم الخامس من يناير.. التغيير لم يعد شعارًا.. يصبح واقعًا بجلوس زهران ممدانى على مقعد عمدة نيويورك.

ألمانيا.. مش المنيا!

حان وقت البوح.. تنوعت وتعددت المواقف الطيبة معى من النبيل  الراحل منصور حسن وزير الثقافة والإعلام ورئاسة الجمهورية.. التقيت صدفه بأستاذنا مصطفى الضمرانى بشارع الجلاء أمام مبنى الأهرام.. يقبل مبتسمًا.. أنت مسافر ألمانيا.. أرد «والله كويس».. يعقب ساخرًا كعادته.. مالك مش فرحان كده.. بقولك مسافر ألمانيا مش المنيا.. لم أقل ما يعتمل بداخلى.. المفاجأة لم تترك فرصة لمظاهر السعادة المختلطة بالقلق داخلى.. هذه أول رحلة سفر وعمل لى خارج مصر.. هل أنجح فى المهمة؟.. قال الضمرانى.. الوزير مسافر ألمانيا واختار معه وفدًا صحفيًا أنا وأنت وصلاح درويش «الجمهورية».. وفى الوزارة أثناء إنهاء إجراءات السفر ينتحى بى جانبًا مدير مكتب الوزير ويروى لى قصة غريبة لترشحى للسفر.. أثناء عرض قرار السفر على الوزير كان به اسم الزميلين مندوبى الأهرام والجمهورية وأمام المرشح من الأخبار.. يوجد اسمان ليختار منهما الوزير. هما من نجوم الصحافة فى مصر.. وليس فى الأخبار فقط.. الكاتبتان الكبيرتان حُسن شاه ونعم الباز وإذ بالوزير يشطب الاسمين ويكتب السيد النجار وشهق مدير المكتب من المفاجأة وتراجع للخلف.. انتبه الوزير.. نظر إليه قائلًا «إيه فيه إيه».. مش ده مندوب الجريدة فى الوزارة.. وده اللى معانا فى كل حتة لما نسافر منيا القمح.. ولا الصعيد.. أو أى مكان.. ولما نيجى نسافر برة نختار آخر ليه.

صدر القرار وبدأت المهمة الشاقة «حسب تصورى».. وينتابنى خوف كبير من الفشل.. الموقف صعب أمام الجريدة فى أول مهمة عمل بالخارج.. وأمام ثقة الرجل الذى رشحنى.. وكان الأصعب بالنسبة لى.. كيف سأتصل بالجريدة لإرسال الشغل.. وكنا فى عصر تليفون التحويلة.. وإذ بسلسلة المفاجآت تكتمل فى أول لقاء عمل بالمدينة الألمانية ميونيخ.. يهمس مدير مكتب الوزير فى أذنى قائلًا.. لدىّ توجيه من الوزير إذا أردت الاتصال بالقاهرة لتكلم الجريدة أو أى مكان آخر أن تصعد إلى جناح الوزير لاستخدام تليفونه المباشر.. انتفضت سعيدًا وجدت حلًا لأهم مشكلة.. وقد كان.. وفى صباح كل يوم.. السؤال الحائر لدى زميلى بالأهرام والجمهورية.. أين اختفيت وكيف أرسلت الشغل؟

رحل صلاح درويش رحمه الله.. وأعتقد أن أستاذنا مصطفى الضمرانى.. عرف السر الآن وبعد 45 عامًا؟

همس النفس

يا حبيبًا مرق جارنا.. أطلق سهمه فى القلب واختفى.. دون أن يدرى أنى أصبحت به متيمًا.. يا منية الروح.. ما الفؤاد لغيرك يهفو.. ولا غير بهجة نفسك من الله يرجو.. ولا غير وصالك يصبو.