أخطر ما صنعته تلك الجماعات أنها سرقت من الناس ثقتهم بأنفسهم، وسرقت من الدين جوهره الرحب .
سيظل الإسلام إسلامًا أصلًا طاهرًا، ونبعًا صافيًا، ونورًا هبط من السماء على قلب الرسول الكريم ترجمه سلوكًا وقرآنًا، فصنع أمة كانت خير أمة أُخرجت للناس.
وتعكر النبع بعدها بصراع المصالح وخطايا السياسة وآثام المادية ومكائد الكائدين وخيانة الخائنين، وانقسم إلى طوائف وفرق ومذاهب، وحملت كل فرقة راية ادعت أنها راية الإسلام، ولكن الإسلام ظل بعيدًا عن أطماعهم وأهوائهم، وسكن قلوب الصالحين الذين لم يعرفوا عن الإسلام سوى أصله الطيب ورائحته الذكية، لم يصنّفوا أنفسهم، ولم يتمذهبوا على مذهب سوى مذهب الإسلام الفطرى، الإسلام الذى يُمجد العقل ويستفتى القلب ويحترم القيم ويأمر بالعرف، ويجد أن طلب العلم فريضة، ويقبل الآخر ويسعى للمستقبل ويتكامل دون عداء، إسلامًا وسطيًا لا يُغالى ولا يتشدد، إسلامًا إنسانيًا رحبًا مُتسعًا، يسع العالم بسماحة الأخلاق، إسلامًا عبر القلوب على خيول من أدب وذوق ورهافة ورُقى، عبر بلسان شعرائه وعلم علمائه وجمال مِعماره ولغة أدبائه، إسلامًا لا يسفك الدماء، ولا يفجر الميادين بالعامة، ولا يضع القنابل فى عربات المترو، وما حظر الغرب الجماعات الإسلامية المتطرفة إلا تخوفًا من الأفكار والسلوك العنيف، فلم يكن ذلك تضييقًا على الإسلام والمسلمين كما تدعى جماعات التطرف الدينى من إخوان مسلمين وغيرهم، لكنه كان حظرًا للعنف وتقييدًا لأفكار تُعادى الآخر وتُعادى الإنسانية.
لقد نجحت تلك الجماعات المتطرفة على مدى عشرات السنين فى إلصاق صورة باطلة زائفة بأنها تمثل الدين الإسلامى، وهو فعل آثم كاذب يزور الحقيقة، فإذا ما تم حظرها أو ضاق الغرب بإرهابها واتخذ إجراءات بتقييدها وحظرها، راحوا يُصرحِون أنهم يقيدون الإسلام، ويحظرون الإسلام ويضيقون على المسلمين حتى يوهموا الجميع أنهم هم الإسلام وحقيقته وصوته وصورته ولسانه، والإسلام بريء من أفكارهم التى تنفى الآخر وتبغضه، الإسلام بريء من أطماعهم التى تحتكر السلطة وتحتقر كل من هو خارج تنظيمهم ومعتقدهم، ويعلو صراخهم على وسائل التواصل الاجتماعى انقذوا الإسلام.
الغرب و(الإسلاموفوبيا)
لقد حظرت الولايات المتحدة الأمريكية جماعة الإخوان المسلمين وكأن الأمر حرب على الإسلام، بينما الحقيقة هى العكس تمامًا، لقد تخلص الغرب أخيرًا من (الإسلاموفوبيا)، وعرف أن الخطر الحقيقى ليس هو دين الإسلام، ولكن الخطر فى تلك الجماعات والتنظيمات السياسية الدنيوية الطامعة والتى اتخذت لها عنوانًا يُنتسب انتسابًا غير حقيقى للإسلام، تنظيمات قامت هى نفسها بتكفير ملايين المسلمين لمجرد أن هؤلاء الملايين رفضوا تسليم رقابهم لتلك الجماعات والتنظيمات، جماعات اتهمت الملايين من المسلمين بالزندقة والفساد ورفعت عنهم غطاء الإسلام واتهمتهم بكل نقيصة، وأجازت سبهم وسب أعراضهم وسفك دمائهم لأنهم فقط خالفوهم فى الرأى، جماعات وتنظيمات كانت هى العش الذى خرجت منه أفراخ الإرهاب التى أهدرت دم المسلمين وغير المسلمين عبر فتاوى لا أصل لها ولا مرجعية دينية.
نعم حظرت الولايات المتحدة الأمريكية جماعة الإخوان المسلمين ولعلها خطوة تتلوها خطوات من باقى دول الغرب التى تؤوى ذلك التنظيم، ويعقبها حظر لكافة الجماعات الإرهابية الأخرى من كل المِلل والنِحّل ويخلو وجه العالم من كافة أشكال التطرف المنسوبة زورًا للدين، ولا يرى العالم إلا الوجه الحقيقى للإسلام عبر مسلمين بلا وجهة سوى وجهة الإسلام الأصلى، الإسلام الطيب الصافى الفِطرى المنتمى لصاحب الخلق العظيم.
الإعلان بين الظاهر والباطن
ثم يأتى السؤال المهم، هل سيكون إعلان الولايات المتحدة الأمريكية لجماعة الإخوان كجماعة إرهابية إعلانًا حقيقيًا وفاعلًا وفعالًا؟ أم أنه إعلان ظاهرى وباطنه يظل اجتماعات خفية وألعاب متعددة تعلن فيها السياسة أشياء وتسر أشياء أخرى تناقضها وتعاكسها، وهل ستفعل أوروبا نفس الشيء؟ أم تظل بزعم الديموقراطية تفتح أبوابها لمزيد من أفراد ذلك التنظيم، وهل سيتعامل العالم بشكل عام بشكل جاد مع تلك الخطوة ؟ أم سيتعامل معها تمامًا مثلما تعامل بنفاق مع (نتنياهو) الذى وسمته الكثير من الدول المعتبرة بسمة مجرم الحرب والإرهابى، ومع ذلك ما زال يمرح بين مطارات العالم دون مانع ولا رادع وسيظل العالم يصم أذنه ويعطى ظهره من الإرهابيين والمتطرفين ولا يتخذ منهم موقفًا حازمًا إلا فقط حينما يكتوى بنارهم.
وسيظل الإرهابيون يحملون راية الدين حتى يكشف الله سترهم ويزهق باطلهم، أما المعركة الداخلية مع تلك التنظيمات فلا يتم النصر فيها إلا بالوعى ومزيد من الوعى، حينما يعى الناس أن الإسلام ليس محصورًا فى تنظيم يحمل أفكارًا بعيدة عن نبعه الصافى، وحينما يعى الناس الفارق الكبير بين اتساع الدين ورحابته وضيق أطماع تلك التنظيمات، وحينما يعى الناس أن دينهم السمح يقبل الآخر ولا يقصيه، وأنه يقوم على حُسن الخُلق وطُهر القلب وعظيم السلوك وطلب العلم ومشاركة العالم فى بناء الإنسانية، سيختفى أثر هذا التنظيم حينما يعى الناس أن الوطنية جزء من الإيمان، وأن يعى الناس أنهم لا يختارون دينهم بل يولدون به، فمن يُولد مُسلمًا عليه أن يعلم أن ذلك مسئولية كبرى، مسئولية تجعله ممثلًا لذلك الدين عبر قيمه وأخلاقه حتى يكون هو نفسه عنوانًا مشرقًا لذلك الدين الذى ينتمى إليه، فينشغل بتقويم نفسه وصلاح أمره، فيصلح به مجتمعه، إنها معركة كبرى وحقيقة ومستمرة ويومية لا سلاح فيها أكبر وأهم وأخطر من سلاح الوعى.
سياج التخويف
ولعل أخطر ما صنعته تلك الجماعات أنها سرقت من الناس ثقتهم بأنفسهم، وسرقت من الدين جوهره الرحب، حتى صار المسلم البسيط يخشى أن يتكلم فى دينه الذى وُلد عليه خوفًا من أن يتهمه أحدهم بالجهل أو التقصير أو «الخروج عن الصف»، لقد جعلوا من الدين كيانًا جامدًا لا مرونة فيه، وصنعوا حول المسلم سياجًا من التخويف ليظل تابعًا لا يفكر، ومطيعًا لا يناقش، ومنتظرًا طوال عمره أن يشير إليه قائد التنظيم كى يتحرك، وهذه جريمة أخلاقية قبل أن تكون فكرية، لأنهم صادروا من الناس أبسط حقوقهم: حق السؤال وحق التفكير وحق التأمل وحق السير إلى الله بقلوبهم وعقولهم هم لا بعقول غيرهم.
هذه الجماعات لا تحيا ولا تتغذى إلا على ضعف الوعى، ولا تنمو إلا حين يتراجع العقل ويحلّ محلّه الهمس والوشاية والشعارات القصيرة التى تُغرى الجموع وتُعميهم. ولذلك فإن معركتنا معهم هى معركة من أجل بناء العقل، وبناء إنسان يعرف أن الله لم يخلق له عقلًا للزينة، ولا قلبًا ليكون ظلًّا باهتًا لخطاب متشنج، بل خلق له عقلًا يميّز، وقلبًا يرقّ، ونفسًا تعرف الخير بفطرتها ووعيًا حقيقيًا بأن الدين السمح أكبر وأعظم وأجل من أن تمثله أفكار جماعة محدودة .

السيد النجار يكتب: ومـاذا عن..؟
حكايات من دفاتر الآثار
أسرار جائزة مصطفى وعلى أمين







