مستقبل التليفزيون

د. محمد شومان
د. محمد شومان


النظارة الذكية توفر تليفزيونًا شخصيًا لكل مواطن يشاهد فيه ما يفضله فى أى مكان، ما يؤدى إلى إدمان وعزلة اجتماعية وموت النقاش العام. 

فى عام 2030 - بعد أقل من خمس سنوات - هناك توقعات أو بالأحرى تحذيرات من اختفاء شاشات التليفزيون الذكية من بيوتنا، ومن تغير أنماط وعادات المشاهدة، حيث ستنتهى تقريبًا المشاهدة الجماعية داخل المنزل أو خارجه، وتصبح المشاهدة فردية من خلال نظارة ذكية يضعها كل فرد أمام عينيه، وتقدم له محتوى يلبى رغباته واحتياجاته وفقًا لحالته الصحية والمزاجية. باختصار سيصبح لكل مواطن تليفزيونه الشخصى الكامل Full Personal Television، المصمم خصيصًا له.

ستنتشر النظارات الذكية، الخفيفة الوزن والمزودة بشاشات عالية الدقة ـ أعلى من 8K- مدمجة تستطيع تقديم الواقع الافتراضى والواقع المدمج، مثل نظارات Meta Orion وApple Vision وغيرهما، وتتصل هذه النظارات بإنترنت سريع وتطبيقات متنوعة للذكاء الاصطناعى، ما يمكنها من تقديم محتوى يظهر أمام عينيك وكأنك تنظر إلى شاشة ضخمة مباشرة أمام عينيك، مع إمكانية التحرك بالنظارة داخل البيت وفى الشارع وفى القطار وفى الطائرة. والمثير أن المشاهدة عبر هذه النظارات ستمكن الأخيرة من قياس ضغط دمك ونبضك وحالتك المزاجية، وبالتالى قد تعرض عليك مشاهدة أفلام أو مقاطع فيديو فكاهية لتخفف من توترك. 

لكن انتشار نظارات التليفزيون الشخصى تعانى من ثلاث مشكلات، الأولى عمر البطارية، والثانية وزن النظارة، الثالثة والأكثر أهمية هى ارتفاع سعر هذه النظارات حيث تصل تقريبًا إلى 1000 دولار فى المتوسط. وتتنافس حاليًا عدة شركات عملاقة تعمل فى مجال تكنولوجيا الاتصال والإعلام على إيجاد حلول سريعة لها، مما أدى إلى إطالة عمر البطارية إلى 8 ساعات أو أكثر، وتأمل الشركات فى زيادة هذه المدة لتصل إلى 48 ساعة من الاستخدام الكثيف. ونجحت الشركات فى تخفيف وزن النظارة، بحسب طبيعة استخدامها ووظائفها وتتراوح حاليًا بين 40 - 90 جرامًا. أما العقبة الأكبر فهى السعر، لكن انتشار هذه النظارات والتطور التكنولوجى قد يقلص التكلفة إلى 200 دولار أمريكى بحلول عام 2030، وذلك على غرار ما حدث فى صناعة الهاتف الجوال، والذى انخفض سعره فى سنوات قليلة ليصبح متاحًا لأغلبية الناس عبر العالم. 

وإذا انتشرت نظارات التليفزيون الشخصى كما انتشرت الهواتف المحمولة فإن البشرية ستواجه إشكاليات وتحديات صعبة، أهمها أن نظارة المشاهدة ستعرف معلومات كثيرة عن المستخدمين، وسترسلها للشركات التى تشغلها، لكى توظفها فى تطوير محتوى وبرامج تعزز من ارتباط المستخدمين بهذه الشركات، علاوة على مخاطر بيع معلومات المستخدمين وانتهاك خصوصيتهم. من هنا أصبح السؤال المطروح من يشاهد من.. النظارة الذكية، أم المستخدم؟.

لكن الأخطر من ذلك أن التليفزيون الشخصى سيغذى العزلة الاجتماعية، ويجعل كل فرد أسير تليفزيونه إذا جاز التعبير، لا يستطيع التحرر منه أو الاستغناء عنه لأنه يقدم له كل ما يرغب فيه ويفضله، وعلى مدار الساعة، وبالتالى قد تظهر أنواع جديدة من الإدمان على المشاهدة، فى هذا السياق يحذر كثير من الأطباء من «الإجهاد الرقمى» عند النظر لفترات طويلة إلى شاشات قريبة جدًا كما فى نظارات VR/AR، مما يؤدى إلى جفاف العين، والصداع، أو تشويش فى الرؤية. 

ومن المؤكد أن المشاهدة الفردية ستقضى على المناقشات الجماعية فى المنزل والتى كانت تسمح بتبادل الخبرات بين الآباء والأبناء، وتساهم فى التنشئة الاجتماعية بشكل غير مباشر داخل الأسرة، لأن كل شخص سيشاهد محتوى خاصًا به، ما يهدد بإضعاف الترابط الأسرى وموت الاهتمام العام والمناقشات المجتمعية. ويدور نقاش فكرى وفلسفى حول هذه الإشكاليات وكيف يمكن صياغة علاقة متوازنة بين البشر وتكنولوجيا الاتصال والمشاهدة، بما لا يضر بتماسك الأسرة، والاهتمام العام والشعور المشترك بين أبناء المجتمع.

ويمكن القول إنه لا توجد حتى اليوم أفكار أو حلول جاهزة لأنسنة التليفزيون الشخصى بحيث يحقق حرية الفرد فى المشاهدة المرنة والطابع الاجتماعى المعروف للمشاهدة التليفزيونية والتى كانت تجرى فى غرفة واحدة تجمع كل أو بعض أفراد الأسرة. لكن يمكن العمل لإصدار تشريعات وقوانين تحمى خصوصية المستخدمين، والاهتمام بتعليم وتثقيف المواطنين بمخاطر المشاهدة الفردية وإلزام شركات تصنيع نظارة التليفزيون الشخصى بوضع حد أقصى من ساعات المشاهدة اليومية أو الأسبوعية يتوقف بعدها البث، بحيث تقلل من مخاطر الإدمان والعزلة الاجتماعية.