ساكنة بك.. التاريخ المنسي لصوت أطاحت به «ألمظ»

ساكنة بك
ساكنة بك


رغم أن أغلب الكتب التاريخية تنشغل بالمعارك والاقتصاد والدبلوماسية، إلا أن الحياة الثقافية والفنية في مصر خلال القرن التاسع عشر ظلت شبه غائبة عن التوثيق، ومن بين هذه المساحات المنسية تطل شخصية "ساكنة بك"، المغنية الأشهر في عهد عباس حلمي الأول، والتي وصفها الكاتب الراحل مكاوي سعيد في كتابه "القاهرة وما فيها" بأنها من أقدم المغنيات اللاتي عُرفن في مصر الحديثة.



اقرأ أيضًا | «ساكنة بك».. أول وآخر سيدة مصرية تحصل على «البكوية»

بداية ظهور النجمة ساكنة بك 

ظهرت ساكنة بك في الفترة التي حكم فيها الخديوي عباس حلمي الأول (1848 – 1854)، أحد حكام الأسرة العلوية التابعة صوريًا للدولة العثمانية، كان عباس حلمي قد استدعي من مدينة جدة لتولي حكم مصر بعد وفاة إبراهيم باشا، وفق نظام الوراثة الذي يورث الحكم للأرشد من نسل محمد علي.

عرف هذا الحاكم بعزلته، وشدة طباعه، وسوء ظنه بالناس، إضافة إلى تأييده القوي للشيخ محمد عبدالوهاب في الجزيرة العربية، لدرجة أنه ساعد في تهريب أحد أبنائه من السجون المصرية بعد أسره في معارك إبراهيم باشا هناك. 

كما أشرف على إعادة إحياء شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو ما دفع كثيرًا من المؤرخين إلى وصف عهده بعهد ارتداد وتراجع عن حركة النهضة التي بدأها جده محمد علي، وانتهى حكمه باغتياله في قصره ببنها.

ورغم قسوة المناخ السياسي والاجتماعي، بزغ جهد ساكنة بك، وازدادت شهرتها بمرور السنوات، خصوصًا في عهد سعيد باشا، الذي خلف عباس حلمي الأول، حيث عرفت بصوت قوي ينساب دون جهد، يصل صداه إلى كل سامع سواء كان قريب أو بعيد.

أُعجب الأتراك المقيمون في مصر بجمال صوتها وحضورها، حتى أطلق العامة عليها لقب بك، وهو لقب لم يكن يمنح للنساء عادة، امتلكت ساكنة روح مرحة ولسان مهذب وبديهة حاضرة، وكانت خفة دمها تضفي على الليالي الفنية نكهة خاصة.

كان المزاح عنصر رئيسي في الأفراح آنذاك، حتى في زمن عبده الحامولي، إذ كان يلزم صاحب الفرح باستقدام مضحكين يظهرون بين الوصلات لإزالة الملل بينما تصلح الآلات الموسيقية وتجهز من جديد، كانت ساكنة نجمة لا يختلف عليها أحد.

استمرت ساكنة متربعة على قمة الغناء النسائي حتى ظهر صوت جديد اسمه ألمظ، والذي أخذ يكبر بريقه يومًا بعد يوم حتى بات كالهلال الذي صار قمر.

في البداية، تجاهلت ساكنة هذا الصعود، لكنها سرعان ما أدركت قوة تأثير ألمظ في الجمهور، ولتفادي منافسة مرهقة، ضمتها إلى فرقتها حتى تكون تحت إشرافها الفني، مع الحفاظ على مكانتها وتاريخها.

 وخلال ذلك، تعلمت ألمظ الكثير وصقلت موهبتها، لكن صدى صوتها العذب عند الجمهور أثار غيرة ساكنة، فبدأت الأخيرة تسيء الظن بها وتضيق عليها، ما دفع ألمظ إلى ترك الفرقة، بعد خروجها أسست ألمظ فرقة خاصة بها، وبدأت تنافس ساكنة مباشرة، ولم تستمر المنافسة طويل إذ تفوقت ألمظ بسرعة حتى تلاشى صيت ساكنة تدريجيا.

ومنذ ذلك الوقت بدأ نجم ساكنة بك في الاختفاء، وأخذت الأيام تدير لها ظهرها، حتى توفيت في سن متقدمة خلال عهد الخديوي إسماعيل، بعدما تركت أثرا مهمًا في بدايات الفن المصري الحديث، رغم أن التاريخ لم يمنحها ما تستحقه من التوثيق.