جاءت الدورة الـ46 من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي محمّلة بجدل مشروع حول طبيعة الاختيارات التي انتهت إليها لجنة التحكيم، ومقدار التوافق – أو التباعد – بين الرؤية الفنية التي حكمت الجوائز وبين توقّعات الجمهور والنقّاد.
ففي الوقت الذي حرص فيه المهرجان على تقديم برمجة متنوّعة تضم أعمالًا عربية وعالمية، وفتح الباب أمام أفلام جريئة وفاعلة، فإن النتائج النهائية كشفت عن رؤية فنية محددة وواضحة تأثّرت إلى حد بعيد بالمنهج السينمائي لرئيس لجنة التحكيم، المخرج التركي نوري بيلجي جيلان.
لا يمكن فهم جوائز الدورة دون فهم المزاج الجمالي والفلسفي الذي يحمله جيلان؛ فالرجل ينتمي إلى سينما التأمل، والبطء الإيقاعي، والانحياز إلى التفاصيل الدقيقة التي تكشف ما وراء النفس. هذا النوع من الحساسية يؤدي بطبيعة الحال إلى تقدير أفلام تحترف بناء الصورة والعمق الداخلي، على حساب الأفلام التي تعتمد على الأثر المباشر أو الزخم الموضوعاتي. وبالتالي، تحوّلت لجنة التحكيم إلى مساحة يهيمن عليها معيار “الجماليات المركّزة” أكثر مما يهيمن عليها معيار “القضايا أو التفاعل العاطفي”.
جيلان مخرج يؤمن بالبطء التأملي، وبالصورة التي تقول أكثر ممّا يُقال، وبالعزلة الداخلية للشخصيات. ومع وجود هذا المزاج الفني في موقع القيادة، يصبح طبيعيًا أن تُمنح الأفضلية لأفلام مشغولة بصنعة الصورة ورهافتها، على حساب الأفلام التي تعتمد على ثِقَل القضايا أو حدّة الطرح السياسي.
هذه الرؤية تفسّر الكثير من قرارات اللجنة، وفي مقدمتها منح جائزة الهرم الذهبي لفيلم “اليعسوب – Dragonfly”، وكذلك جائزة أفضل ممثلة مناصفة لأندريا رايزبورو وبريندا ويليامز، وهو عمل ينسجم تمامًا مع المزاج البصري لجيلان ولأعضاء اللجنة، لمزجه بين الواقعية الاجتماعية والتأمل البصري، ومنظور فني أكثر تركّزًا على الشخصية والصورة وبنية العلاقة بدلًا من الموضوعات السياسية أو الصخب السردي.
بينما نال فيلم “كان يا ما كان في غزة – Once Upon a Time in Gaza” جوائز مهمة، مثل أفضل فيلم عربي طويل والهرم الفضي، دون أن يصل إلى الجائزة الكبرى، ربما لتجنّب ميل سياسي أو دلالات مباشرة قد تضع اللجنة في زاوية ضيقة. هذا النوع من الأفلام قد لا يجد حظوة داخل لجنة تحكيم متّسقة مع رؤية تميل إلى الفنية البحتة، خصوصًا إذا كان الفيلم مشحونًا بمضمون سياسي ثقيل. وهنا يبرز سؤال مهم: هل تبتعد بعض اللجان عن الأفلام ذات الحساسية السياسية حتى لو كانت قوية فنيًا؟ الإجابة ليست قطعية، لكنها تفتح بابًا للتأمل.
لكن ما يطرح النقاش حقًا هو الأفلام التي نالت إعجابًا نقديًا وجماهيريًا وكانت تملك عناصر فنية قوية ولم تحصد جوائز تُذكر أو الجائزة الكبرى. وهنا يتضح بجلاء التفاوت بين مسارات التقدير داخل اللجنة ومساراته لدى الجمهور والنقّاد.
من هذه النماذج أفلام قوية أثنى عليها الجمهور والنقّاد ولم تحصد جوائز كبرى:
“الأشياء التي تقتلها – The Things You Kill”
حصل الفيلم على جائزة النقّاد (FIPRESCI)، ما يعكس تقديرًا نقديًا كبيرًا، لكنه لم يفُز بالهرم الذهبي. هذا المثال يوضح أن تقدير النقّاد قد يختلف عن قرارات لجنة التحكيم، وأن الفوز بالجائزة الكبرى لا يعكس دائمًا القيمة الفنية المطلقة.
كذلك الفيلم الإسباني “ابن – A Son”، وكان وجوده في المسابقة الدولية يمنحه قوة ترشيحية كبيرة، لكنه لم يفُز بجائزة كبرى. يبدو فيلمًا يمتلك عناصر قوية تجعله مرشحًا مؤثرًا: قصة نفسية عميقة، عنصر إنساني، ومخرج معروف نسبيًا، ما جذب النقّاد وأثر في الجمهور كثيرًا. لكن كونه فيلمًا دراميًا نفسيًا قد لا يكون ضمن أولويات لجنة تحكيم تفضّل الأعمال ذات البعد البصري أو الفلسفي أو التجريبي، إذا كانت لديها رؤية فنية “جمالية” واضحة — خاصة في ظل رئاسة جيلان للجنة. يُظهر هذا النموذج كيف يمكن أن يكون الفيلم قويًا فنّيًا ومثيرًا للاهتمام، لكنه لم يحظَ بالاعتراف الأكبر ضمن المسابقة الرسمية.
وكذلك الفيلم المغربي “زنقة مالگا”؛ فقد حظي بحضور جماهيري كبير وتقدير واسع من المشاهدين، وتميّز بالعفوية والطاقة الإبداعية في الأداء والكوميديا الواقعية. لكن، رغم هذا التلقي الإيجابي، لم ينجح في اقتناص أي من الجوائز الكبرى، ما يبرز الفجوة بين ذائقة الجمهور الحيوية ومعايير لجنة التحكيم التي تميل إلى الأعمال الأكثر تجريبية وعمقًا بصريًا.
تكشف المقارنة بين هذه الأفلام عن حالة لافتة في الدورة الـ46 من مهرجان القاهرة: وهي الفجوة الطبيعية — وربما المتوقعة — بين ذائقة الجمهور واعتبارات لجنة التحكيم.
فبينما انجذب الجمهور إلى “زنقة مالگا” بعفويته وروحه المرحة وذكائه السردي، احتفى النقّاد بـ”الأشياء التي تقتلها” بسبب عمقه الفني، جاءت اختيارات لجنة التحكيم لتمنح الأولوية لنمط محدّد من السينما: سينما التأمل، الإيقاع البطيء، البنية البصرية المنظّمة، والمقاربات الفلسفية — وهي السمات التي تتوافق مع مزاج رئيس اللجنة نوري بيلجي جيلان.
وبذلك، يصبح عدم فوز هذه الأفلام القريبة من الجمهور ليس مسألة “ظلم”، بقدر ما هو اختلاف في زاوية النظر؛ فبينما يرى الجمهور القيمة في الحيوية والسرد الممتع والقرب من واقع الإنسان، ترى اللجنة القيمة في البناء الجمالي والبعد الدراماتورجي الهادئ.
وهذا الاختلاف يعيد طرح سؤال أزلي في المهرجانات الدولية: هل تعكس الجوائز أفضل الأفلام فعلًا؟ أم أفضل الأفلام وفق اللغة الخاصة للجنة التحكيم؟
والإجابة دائمًا — كما تثبت هذه الدورة — أن السينما لا تُقرأ قراءة واحدة، وأن لكل لجنة تحكيم “نظام ذائقة” يصنع خريطته الخاصة، وقد يتقاطع أحيانًا مع الجمهور، ويفترق عنه في أحيان أخرى، من دون أن يلغي القيمة الفنية لأي من الطرفين.
الذكاء الاصطناعي اللاعب رقم 12؟
خالد محمود يكتب: كأس العالم.. أكبر عرض فنى على كوكب الأرض
خالد محمود يكتب : هوس يحاصر الإبداع





