يوميات الأخبار

أخطر 187 كلمة فى تاريخ مصر الانتخابى

عبد الواحد النبوى
عبد الواحد النبوى


لأنه يدرك أن مصر دولة دستور وقانون فقال «...هذه الأحداث تخضع فى فحصها والفصل فيها للهيئة الوطنية للانتخابات دون غيرها

مصر ليست دولة حديثة العهد بالحياة البرلمانية فى العصر الحديث، فجذور الممارسة النيابية تعود إلى عام 1866 قبل أن تولد ديمقراطية اليوم وهذه الممارسة البرلمانية أكسبت المصريين مكانة مرموقة بين الأمم وتقاليد راسخة، وطوال تجربتها كانت تخطئ وتتعلم من أخطائها.

الانتخابات التى جرت فى القرن التاسع عشر كانت التجاوزات متوفرة وتسيئ إلى الانتخابات، إذا تجاوزت الحدود أو سيطرت عليها الحكومة ووجهتها نحو مؤيديها، أو جعلتها بشروط قاسية مالية واجتماعية لتكون مقصورة على مجموعة صغيرة من الأمة دون غيرها من عامة المصريين، وظلت هذه التوجهات سارية إدارة الانتخابات طوال القرن التاسع عشر.

وعندما جرت انتخابات 1923 - 1924 بعد دستور 1923 انتزع المصريون حقهم الانتخابى بكل قوة وجاءت الانتخابات مثلًا يضرب به حتى يومنا الحالى، حيث أسقط المصريون رئيس الوزراء يحيى إبراهيم باشا ونجح شاب لم يكن على نفس شهرة رئيس الوزراء، وكان ذلك درسًا لكل حكومة تولت شئون مصر أن المصريين يمكن أن يقلبوا المعادلة إذا ما أدركوا حالة الخطر على مصر.

لم تكن الانتخابات البرلمانية فى مصر تسير فى بعض أحوالها دون تجاوزات؛ أحيانًا قليلة يمكن أن تمر، وأحيانًا فجة مثلما حدث فى عهد الحكومات المتوالية للحزب الوطنى الديمقراطى وبخاصة ما حدث فى انتخابات عام 2010.

منذ أن وصل الرئيس عبد الفتاح السيسى إلى الحكم حرص على أن تسير العملية الانتخابية بأعلى درجات النزاهة كلما أمكن ذلك لذا استمر الإشراف القضائى على جميع مراحل الانتخابات وتم إقرار قانون الهيئة الوطنية للانتخابات لتتولى إدارة العملية الانتخابية فى كل مراحلها، ووفر لها كل الموارد لتقوم بدورها على أكل وجه.

وفى انتخابات المرحلة الأولى لمجلس النواب 2025 بدا لبعض المرشحين أن ترشحه للانتخابات يعفيه من الحساب ويمنحه السلطة فى انتهاك الضوابط المنظمة للانتخابات، وفى هذا العصر الرقمى المتطور لم يعد إخفاء التجاوزات أمرًا سهلًا، فوصل كل ما حدث للرئيس.

أخطر تدوينة فى تاريخ الانتخابات المصرية الاثنين 17 نوفمبر 2025 من خلال تدوينة من 187 كلمة على صفحته الخاصة على فيس بوك بدأها الرئيس عبدالفتاح السيسى بـ «بسم الله الرحمن الرحيم وصلتنى الأحداث التى وقعت فى بعض الدوائر الانتخابية.....» نزلت هذه العبارة على رأس كل مخالف كالصاعقة وعلى كل من يحدوه الأمل فى حياة برلمانية تليق بمصر ببشارة أمل وأن رئيس مصر لن يرضى إلا بما يليق بمصر ولن يخون ثقة شعبه فيه فهو عند الأحداث الكبيرة الظهر والسند.

ولأنه يدرك أن مصر دولة دستور وقانون فقال «...هذه الأحداث تخضع فى فحصها والفصل فيها للهيئة الوطنية للانتخابات دون غيرها، وهى هيئة مستقلة فى أعمالها وفقًا لقانون إنشائها» وطلب من «الهيئة الموقرة» عدة أمور فى إطار اختصاصها:

أولًا: «التدقيق التام عند فحص هذه الأحداث والطعون المقدمة بشأنها وأن تتخذ القرارات التى ترضى الله سبحانه وتعالى وتكشف بكل أمانة عن إرادة الناخبين الحقيقية.

ثانيًا: «أن تعلى الهيئة من شفافية الإجراءات من خلال التيقن من حصول مندوب كل مرشح على صورة من كشف حصر الأصوات من اللجنة الفرعية حتى يأتى أعضاء مجلس النواب ممثلين فعليين عن شعب مصر تحت قبة البرلمان».

ثالثًا: «لا تتردد الهيئة الوطنية للانتخابات فى اتخاذ القرار الصحيح عند تعذر الوصول إلى إرادة الناخبين الحقيقية سواء بالإلغاء الكامل لهذه المرحلة من الانتخابات أو إلغائها جزئيًا فى دائرة أو أكثر من دائرة انتخابية على أن تجرى الانتخابات الخاصة بها لاحقًا».

رابعًا: «أطلب كذلك من الهيئة الوطنية للانتخابات الإعلان عن الإجراءات المتخذة نحو ما وصل إليها من مخالفات فى الدعاية الانتخابية حتى تتحقق الرقابة الفعالة على هذه الدعاية ولا تخرج عن إطارها القانونى ولا تتكرر فى الجولات الانتخابية الباقية».

هكذا كان الرئيس واضحًا وأرسل رسائل قوية لا تحتاج إلى شروح وتفسيرات وتحليلات وتعليلات وحجج لا تغنى ولا تسمن من جوع، واستخدم عبارات «التدقيق التام» و»شفافية الإجراءات» و»لا تتردد الهيئة الوطنية فى اتخاذ القرار الصحيح» و»الإعلان عن الإجراءات المتخذة نحو ما وصل إليها من مخالفات فى الدعاية الانتخابية» وكلماته لـ 187 تقدم دعمًا قويًا وسندًا حقيقيًا لكل من له صلة بالانتخابات للانطلاق نحو مرحلة مختلفة من إدارة العملية الانتخابية فى ربوع مصر؛ فهل يلتقط الجميع الخيط وهل يقومون بما هو مأمول منهم، المصريون وقائدهم يستحقون وينتظرون الكثير.

قرارات الـ 22 ساعة

ما بين الرابعة عصر يوم الاثنين 17 نوفمبر 2025 والثانية ظهر يوم الثلاثاء 18 نوفمبر 2025 أى خلال 22 ساعة أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات حالة الطوارئ بعد تدوينة السيد رئيس الجمهورية يوم الاثنين، وفى نفس اليوم عند الرابعة عصرًا عقدت الهيئة مؤتمرًا صحفيًا ومن مقرها خرج رئيسها القاضى الجليل حازم بدوى ليعلن أن الهيئة سوف تكون عند حسن ظن المصريين وقائدهم وأنها ستعمل نصوص القوانين واللوائح لتخرج العملية الانتخابية فى أفضل صورها، مرددًا ما دعا رئيس الجمهورية لتنفيذه، وفى اليوم التالى، أعلنت الهيئة إلغاء الانتخابات فى 19 دائرة بنسبة 27 % وإعادة الانتخابات فى 31 دائرة من إجمالى 70 دائرة فى 14 محافظة، وتلاحظ أن الهيئة لم تعلن للعامة ما طالب به الرئيس بخصوص الدعاية أو تسيلم المندوبين كشوف حصر الأصوات، ويجب أن نثمن الجهد الكبير الذى قامت به الهيئة وعليها أن تنتهز الدعم الكبير من السيد رئيس الجمهورية لتتخذ الكثير من الإجراءات لتحقيق تاريخ جديد فى ممارسة العملية الانتخابية فى مصر يسجله التاريخ باسم رئيس الجمهورية وباسمها.

الأحزاب: هل تعيد ترتيب أوراقها ؟:

لقد كشفت تدوينة الرئيس أن الأحزاب لم تبذل مجهودًا كافيًا فى اختيار مرشحيها أو تدريبهم وإعدادهم لإدارة الانتخابات بكل مراحلها، وهى فى حاجة ماسة، لحسن اختيار كوادرها وإنشاء مراكز تدريب بداخلها، لتنفيذ برامج تدريبية متنوعة ومكثفة ومستمرة، تتصل بمجالات أنشطة الأحزاب السياسية، وعليها أن تحاول استدراك ما فاتها وأن يظهر مرشحوها بأفضل صورة، فى المرحلة القادمة من الانتخابات الحالية، كما يجب عليها أن تعمل من الآن على إعداد كوادرها لانتخابات 2030.

بعد أخطر 187 كلمة من الرئيس، لم يقم بمثل ذلك سابقًا أى حاكم مصرى لذا على الجميع أن يلتقط طرف الخيط ويفهم محتوى الرسالة، فمصر تستحق.

من أجمل ما قال إبراهيم ناجى:

أَجلْ إن ذا يوم لمن يفتدى مصرا 

فمصر هى المحرابُ والجنةُ الكبرى

حلفنا نولى وجهنا شطر حبها 

وننفد فيه الصبر والجهد والعمرا

نبث بها روح الحياة قوية 

ونقتل فيها الضنك والذل والفقرا

نحطم أغلالًا ونمحو حوائلًا 

ونخلق فيها الفكر والعمل الحرّا

أجل إن ماءَ النيلِ قد مرَّ طعمُه 

تناوشه الفتاك لم يدعوا شبرا

فدالت به الدنيا وريعت حمائمٌ مغردة 

تستقبل الخير والبشرى

وحامت على الأفْق الحزين كواسر 

إذا ظفرت لا ترحم الحسن والزهرا

تحط كما حط العقاب من الذرى 

وتلتهم الأفنان والزغب والوكرا

فهلا وقفتم دونها تمنحونها أكفًّا 

كماء المزنِ تمطرها خيرا

سلامًا شباب النيل فى كل موقفٍ 

على الدهر يجنى المجدَ أو يجلبُ الفخرا

تعالوا نشيّدْ مصنعًا 

رُب مصنعٍ يدر على صُناعنا المغنمَ الوفرا

تعالوا نشيّدْ ملجأ،

 رُب ملجأ يضم حطامَ البؤسِ والأوجهَ الصفرا

تعالوا لنمحو الجهلَ والعللَ 

التى أحاطتْ بنا كالسيل تغمرُنا غمرا

تعالوا فقد حانتْ أمورٌ عظيمةٌ 

فلا كان منا غافلٌ يصم العصرا

تعالوا نقلْ للصعب أهلًا 

فإننا شبابٌ ألِفنا الصعبَ والمطلبَ الوعرا

 شبابٌ إذا نامت عيونٌ 

فإننا بكرنا بكورَ الطيرِ نستقبل الفجرا

 شبابٌ نزلنا حومةَ المجدِ 

كلنا ومن يغتدى للنصر ينتزعُ النصرا