يُقدّم مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته السادسة والأربعين واحدًا من أكثر عروضه إثارة للاهتمام هذا العام عبر الفيلم الإسباني «ابن» (Un Hijo) للمخرج ناتشو لاكاسا، الذى يُعرض لأول مرة عالميًّا ضمن المسابقة الدولية، في خطوة تمنح العمل دفعة فنية مهمة وتعزّز من حضوره كمشروع سينمائي واعد على مستوى الدراما النفسية.
الفيلم، الذى تدور أحداثه في إطار درامي نفسي مشوّق، يجمع بين رهانات مبنية على قوة الأداء التمثيلي، وبين معالجة حسّاسة لعالَم الطفل الداخلي، مستندًا إلى رواية الكاتب الإسباني أليخاندرو بالوماس التى تحمل العنوان ذاته. الرواية، التي نالت نجاحًا نقديًّا واسعًا، شكّلت أرضًا خصبة للانتقال إلى الشاشة الكبيرة، وهو ما ينجح لاكاسا في استثماره بأسلوب بصري هادئ لكنه مشحون بالتوتر.
تنطلق القصة من الصمت… وتتكشف عبر الرسومات؛ إذ يركّز الفيلم على شخصية ماريا (ماكارينا غارسيا)، أخصائيةٍ نفسيةٍ تعمل في مدرسة ابتدائية، تلتقي بطفلٍ في الثامنة من عمره يُدعى «جيّي»، يبدو سعيدًا بشكل غير معتاد لكنه يُخفي ما يتجاوز ما يُرى بالعين.
تبدأ ماريا في تتبّع الإشارات التي يتركها الطفل، لا بالكلام، بل بالرسومات التى تكشف عن عالَم داخلي غامض ومكبوت. ومع تعمّقها في الأمر، تواجه مقاومة قوية من والد الطفل (هوجو سيلفا)، ما يخلق طبقات من التوتر ويطرح تساؤلات حول الأسرار العائلية والانفعالات الصامتة التي قد يعيشها الأطفال ويعجزون عن التعبير عنها.
القصة هنا ليست مجرّد رحلة لكشف لغز، بل استكشاف للطفولة بوصفها مساحة هشّة ومعقدة، والتعامل مع الفن كأداة تعبيرية تنقل ما يعجز عنه الكلام.
يمثّل الفيلم نقلة مهمة في مسيرة المخرج ناتشو لاكاسا، الذي يأتي من خلفية في الإنتاج السينمائي وصناعة الرسوم المتحركة. هذا التنوع يظهر في قدرته على مزج الحس الأدبي الدقيق بالرؤية البصرية المكثّفة، مع عناية واضحة ببناء الشخصيات وإبراز المشاعر المضمَرة.
ويبرع لاكاسا في تقديم عمل يعتمد على الأداء التمثيلي، خاصة الطفل إيان كورتيجوسو الذى يجسد دور «جيّي»، وهو الدور المحوري الذى بُني عليه الجو النفسي للفيلم.
لماذا يلفت «ابن» الأنظار داخل المسابقة الدولية في القاهرة؟
اختيار الفيلم للعرض العالمي الأول داخل المسابقة الدولية لمهرجان القاهرة ليس خطوة برمجية عابرة، بل رسالة واضحة على قوة العمل وأصالته. فالمهرجان، باعتباره من أعرق المهرجانات في المنطقة العربية ومنصة لاكتشاف الأصوات السينمائية الجديدة، يمنح الفيلم فرصة لاختبار حضوره أمام جمهور متنوع.
ما يساعد الفيلم على التميّز أنه يتناول موضوعًا إنسانيًّا عالميًّا؛ فالقضايا المتعلقة بالطفولة والصدمات العائلية تتجاوز الحدود الثقافية، ما يمنحه قابلية واسعة للتفاعل.
كما يقدّم معالجة نفسية عميقة، فالفيلم ليس ميلودراما تقليدية، بل يستكشف الصمت الداخلي بوصفه منطقة درامية، ويستخدم الرسوم لغةً سردية.
ويُضاف إلى ذلك قوة الأداء التمثيلي؛ إذ يشكّل أداء ماكارينا غارسيا أحد أعمدة الفيلم، فهي تجسد شخصية الأخصائية النفسية التي تتأرجح بين واجبها المهني وتعاطفها الإنساني. بينما يقدّم إيان كورتيجوسو أحد أكثر أدوار الأطفال نضجًا في السينما الإسبانية الحديثة، أداءً مبنيًّا على الصمت أكثر من الكلام، وعلى الحضور أكثر من الفعل.
أما هوجو سيلفا، فيجسّد شخصية الأب بمزيج من الغموض والانفعال المكتوم، ما يضيف طبقة إضافية من الشك ويُبقي المتفرج في حالة يقظة.
جاء تصوير الفيلم بإضاءاته الناعمة وزواياه المتقشّفة ليخدم الحالة النفسية للنص، فيما تأتي الموسيقى كهمسات ترافق المتفرج دون أن تسيطر عليه، لتخلق مساحة إضافية للتأمل في ما يحمله الطفل من أسرار.
الاقتباس من رواية ناجحة يعزّز عمق العمل، بينما تسير الرؤية الإخراجية وفق سردٍ يُغزل بتروٍّ؛ إذ يختار لاكاسا إيقاعًا هادئًا لكنه ضاغط نفسيًا، مناسبًا لروح المهرجانات أكثر من السينما التجارية.
ورغم أن الفيلم يتحرك بإيقاع أبطأ مما قد يفضّله البعض، فإن هذا البطء جزء من بنيته الفنية ومفتاح لقراءة تطور القصة على نحو داخلي لا سردي. فـ«ابن» فيلم يطلب من مشاهديه مشاركته الرحلة، لا مجرد متابعته.
في النهاية، يمكن القول إن «ابن» يثبت نفسه داخل المسابقة الدولية لمهرجان القاهرة كعمل مختلف يعتمد على الصمت أكثر من الحوار، وعلى العمق العاطفي أكثر من الحبكة التقليدية. فيلم يقدّم مقاربة صادقة لبراءة الطفولة وكسورها، ويؤكد أن السينما الإسبانية ما زالت قادرة على إنتاج أفلام إنسانية رفيعة تُصنع بالقلب قبل الكاميرا.
يخرج فيلم «ابن» للمخرج الإسباني ناتشو لاكاسا من عرضِه في المسابقة الرسمية محمّلًا بشعور ثقيل يلازم المتفرج حتى بعد انتهاء المشاهدة؛ ليس لأنه فيلم صادم أو متخم بالأحداث، بل لأنه يبني توتره من الداخل، من تلك المناطق الصامتة التي يقع فيها الألم الإنساني دون أن يجد طريقًا إلى التعبير.
يمتلك لاكاسا حساسية لافتة في التعامل مع عالَم الطفل الداخلي؛ فبدلًا من وضع المشاهد أمام المشكلة مباشرة، يقوده إلى اكتشافها تدريجيًا عبر التفاصيل الصغيرة: نظرة، ارتباكة، أو رسمة بالغة البساطة لكنها مكتظّة بما لا يُقال. هذا الأسلوب يمنح الفيلم قيمة فنية عالية ويؤكد قدرة المخرج على تقديم دراما نفسية مكثفة دون خطابية أو مبالغة.
«ابن» ليس فيلمًا يعتمد على الأحداث الصاخبة، بل على المشاعر المختبئة، وعلى العلاقة الدقيقة بين الصورة والداخل النفسي. وهو عمل يترك أثره عبر الأسئلة أكثر مما يقدّم الإجابات، وهذا ما يجعله ملائمًا لمهرجان القاهرة الذى يحتفي بالسينما القادرة على فتح مساحات للنقاش والقراءة المتعددة.
ومع عرضه العالمي الأول في المسابقة الرسمية، يبدو «ابن» مستعدًّا ليأخذ مكانه كأحد أبرز الأفلام النفسية المتنافسة هذا العام، وليمنح جمهور القاهرة فرصة لاكتشاف تجربة سينمائية أوروبية إنسانية وعميقة.
تطبيع الذكاء الاصطناعى
خالد محمود يكتب : « الشهود المحترفون » .. كيف صنع النقد صورة سينما نجيب محفوظ ؟
ياسمين صبري والبطولة المطلقة







