تقرير: أمنية شوقى «تصوير : عصام مناع»
منذ أكثر من قرن ونصف القرن ظلت هذه العلامة التجارية شامخة لعقود طويلة، تفتخر بمصريتها وصناعتها الوطنية وتجذب الملوك والأمراء والباشوات والمشاهير، شهدت الإسكندرية مولدها «عملاقة» فى محطة الرمل عام 1868، حين أطلقه أصحابه الفرنسيون وظلوا هناك حتى أربعينيات القرن الماضى لينتقلوا إلى القاهرة حيث المكان الحالى فى عمارة الإيموبيليا بشارع قصر النيل بعد أن ذاع صيته وأصبح الملك فاروق الأول أهم مرتاديه، وجعل المحل «الموّرِد الخاص» بالخاصة الملكيةـ بالإضافة إلى زبائنه من الأمراء والأميرات ونخبة من المشاهير على رأسهم كوكب الشرق أم كلثوم.
فى مكتبها الكلاسيكى الذى يحمل روح المكان، التقيت د. مارى نظمى راغب أحد الشركاء المصريين لمحلات شالون، وحكت لنا عن قصة هذه العلامة التجارية المصرية العريقة وأهم المحطات فى تاريخها، فقالت «البداية كانت فى عام 1868عندما قررت أسرة فرنسية افتتاح محل يحمل اسم مدينتهم فى فرنسا «شالون» واستقرت على محل يقع بمنطقة محطة الرمل.. وبدأوا العمل بالفعل، ولاقت منتجاتهم من ملابس لجميع أفراد الأسرة ومفروشات وغيرها من التحف والانتيكات إعجاب الزبائن ومضت الأمور على ما يرام، وفى عام 1942 قرروا أن ينتقلوا للمعيشة فى القاهرة ونقل فرع المحل للعاصمة بعد أن ذاع صيته وأصبح رواده من الباشوات وبالفعل بعد بحث استقر الرأى بهم إلى محل بعمارة الإيموبيليا.
بدأوا باستئجار محلين متجاورين حتى انتهى الأمر إلى ما نحن عليه الآن من ثلاثة طوابق السفلى خاص بالملابس الرجالى والدور الرئيسى لمستلزمات الأطفال بالإضافة إلى ركن المفروشات والأدوات المنزلية، أما الطابق الثانى فخصص لملابس السيدات بمساحة 2155 مترا، اشتهر المحل حتى أصبح الملك فاروق أهم مرتاديه وأصدر مرسوما ملكيا ينص فيه على أن المحل هو المورد الخاص بالخاصة الملكية كما أن الملكة ناريمان قد أرسلت برقية شكر للمحل بعد إرساله هدية لمولودها الملك أحمد فؤاد ولى العهد.
أصبح المحل مصدر ثقة الأمراء والأميرات والباشوات، وأهم رموز الفن فى ذلك الوقت، منهم أم كلثوم ونجيب الريحانى وليلى مراد ومحمد فوزى، وأثناء فترة حكم الرئيس الراحل محمد أنور السادات صدر قرار يمنع تملك الأجانب لرأس المال بالكامل للشركات، وأن يكون النصيب الأكبر للجانب المصرى حفاظا على الاقتصاد المصرى، وحينها قرر الملاك الفرنسيون إدخال شريك مصرى، ووقع اختيارهم وقتها على نظمى راغب مدير المحل حينها.
تستكمل د. مارى حديثها «منذ نعومة أظفارى وأنا أعشق هذا المكان، نشأت وكبرت فيه، كنت أرى والدى وهو يتعامل مع الزبائن ويبيع ويشترى بمنتهى الرقى والأمانة، فعشقت المهنة ومن قبلها المكان، كبرت وحب العمل فى هذا المكان كبر معى، وجاء مجموع الثانوية العامة يؤهلنى لدخول كلية طب قصر العينى وأنهيت دراستى بها عام 1982، لكن كان بداخلى شعور بالحنين دائما لجدران المحل وكأنه جزء منى وبالفعل لم استطع مقاومة هذا الشعور سوى عامين بعد تخرجى وإذ بى بعدها أهرول إلى والدى أستعطفه للموافقة على انضمامى للعمل تحت إشرافه بالمحل وقد كان، حتى رحل والدى عام 1992».
لم يكن لدى شقيقتى نفس الرغبة فى العمل بالمحل فقررت أن أتحمل المسئولية كاملة، وأن أكون على قدر الثقة والمسئولية التى وضعها فى الشركاء الفرنسيون ومن قبلهم أبي، ليصبح اسم شالون علامة تجارية تحمل من الثقة والمصداقية لدى الزبون ما يجعلنى أشعر بأنى كنت تلميذة نجيبة فى مدرسة أبى حتى أن المحل كان رواده من الفنانين الكبار ومنهم الفنان الراحل محمود عبد العزيز والفنانة الراحلة داليدا قبل احترافها للغناء عالميا والفنانة نادية الجندى، كما أن هناك من المخرجين من استعان بالمحل فى تصوير أعمالهم الدرامية حيث صور به بعض مشاهد من مسلسل «بنت اسمها ذات» و«ليالينا 80» لما يحمله من عبق التاريخ وروح الماضى».
وتابعت د.مارى قائلة «مضت الأيام سريعا وأصبح المكان مصدر دخل لعشرين موظفا يجمعهم حب المكان والسيرة العطرة التى تأتى بالزبون من الإسكندرية حتى أسوان، ولكن منذ عام 1997 ونحن نعيش فى توتر دائم، فمحل شالون كغيره من محلات وسط البلد بعقد إيجار قديم وشركة الشمس للإسكان والتعمير هى المالكة الحالية لعمارة الإيموبيليا، وحاله كحال الكثير من عقارات الإيجار القديم وللأسف دخل المحل لا يسعفنى أن أقوم باستئجار مكان آخر لارتفاع أسعار الإيجارات حاليا، كما أن المكسب يقسم علينا وعلى الشركاء الفرنسيين ويحزننى أن يشرد أكثر من 20 موظفا أغلبهم من أرباب المعاشات لا يعرفون كيف سيكون حالهم بعد غلق المحل، ومن سيوافق على عملهم لديه وهم فى مثل هذا العمر.. أيام قليلة تفصلنا عن الحكم الذى سيسدل الستار على محلات شالون وتنتهى الحكاية المستمرة منذ 157 سنة، أو سيعطيها قبلة الحياة لتظل شاهدة على عصر ولى وآخر ينبض بالحياة.
جوهرة الدولة المملوكية| «المؤيد شيخ» حكاية سلطان «نذر» بناء مسجده فوق سجنه
تدريب طلاب المستقبل| انطلاق منتدى التعليم التقنى والمهنى لدول المتوسط
خبز الأجداد يعـــود| «الساور دو» من الفراعنة إلى «الترند»







