المعركة مع المناخ تحتاج لمحاصيل غير تقليدية.. والعلم يملك أسلحتها
يواجه عالمنا اليوم، وبشكل خاص منطقتنا العربية التى تُصنَّف ضمن أكثر المناطق جفافاً، تحدياً وجودياً مزدوجاً غير مسبوق، هذا التحدى يهدد استقرار المجتمعات ويُلقى بظلاله القاتمة على مستقبل الأمن الغذائى، يتمثل الشق الأول فى التزايد السكانى المطرد، الذى يتطلب زيادة متواصلة وغير مسبوقة فى الإنتاج الزراعى، أما الشق الثاني، وهو الأكثر خطورة وإلحاحاً، فيتمثل فى الآثار المدمرة لـ التغيرات المناخية التى نشهدها حالياً.
فمن ندرة المياه وشح الأمطار والجفاف الممتد، إلى تفاقم ملوحة التربة والمياه (نتيجة لسوء الصرف أو لارتفاع منسوب سطح البحر)، ومن موجات الحر الشديدة والقياسية التى تضرب مواسم الحصاد، إلى الظهور المفاجئ لسلالات جديدة من الآفات والأمراض المقاومة لأساليب المكافحة التقليدية، لقد أثبتت الأساليب الزراعية القديمة، رغم أهميتها التاريخية، عجزها عن تقديم حلول سريعة وفعالة بحجم هذه الكارثة البيئية المتصاعدة التى تتسارع وتيرتها يوماً بعد يوم.
مفتاح النجاة الاستراتيجى
وبصفتى خبيراً فى التكنولوجيا الحيوية النباتية، أؤكد بلا تردد: لم يعد البحث العلمى مجرد رفاهية أكاديمية أو اختيار تكميلى، بل أصبح التحول نحو الزراعة الجينومية (التى تعتمد على فك شفرة الكائن الحى)، المدعومة بأدوات التعديل الجينى وعلوم الكشف الجزيئى الشاملة، هو خط الدفاع الأول والأخير ومفتاح النجاة الاستراتيجى الوحيد لضمان استدامة الغذاء، إنها القفزة النوعية الإلزامية التى يجب على قطاعنا الزراعى تبنيها لتطوير «محاصيل ذكية مناخياً» قادرة على الصمود والازدهار فى بيئاتنا القاسية.
لقد مرَّ تحسين المحاصيل الزراعية بمراحل تطور جذرية، كل مرحلة منها كانت تهدف إلى تقصير زمن الوصول إلى الصنف الأفضل. كانت التربية التقليدية تعتمد على التهجين والاختيار الطبيعى، وهى عملية بطيئة ومكلفة قد تستغرق عقوداً لنقل صفة وراثية واحدة (كصفة مقاومة لمرض معين) من صنف إلى آخر، وجاءت بعدها الهندسة الوراثية فى الثمانينيات لتسمح للباحثين بنقل جينات محددة بين الكائنات، مما أثار جدلاً واسعاً حول إدخال كائنات محورة وراثياً (وهى الكائنات التى تم تعديلها بإضافة جينات من كائن آخر)، مما وضع قيوداً تنظيمية مشددة على تداولها.
لكن الثورة الحقيقية التى غيرت قواعد اللعبة العلمية والتنظيمية بدأت مع ظهور أدوات التحرير الجيني، وفى طليعتها نظام «كريسبر». هذه التقنية لا تُضيف بالضرورة جينات خارجية، بل تعمل بدقة متناهية كـ «مقص جينى ذكى» لإصلاح أو تعديل الشفرة الوراثية الموجودة أصلاً فى النبتة. إن دقة نظام كريسبر تمنحنا إمكانيات غير مسبوقة.
الأهم من ذلك، أن العديد من الدول الكبرى بدأت تعامل المحاصيل المحررة جينياً (أى التى تم تعديل جيناتها الأصلية) بشكل مختلف عن المحاصيل المحورة وراثياً، نظراً لأن التغييرات التى تحدثها تُشابه فى طبيعتها الطفرات الطبيعية التى تحدث بفعل التربة التقليدية، ولكنها تتم بطريقة مُوجَّهة ومُتحكَّم بها فى المختبر، هذا التمييز يسرّع من وتيرة اعتمادها وتداولها التجارى.
كيف يعمل التعديل الجينى؟
وبالطبع، لا يمكن للتعديل الجينى أن يعمل بكفاءة وفعالية دون معرفة دقيقة بالجين المستهدف ووظيفته، هنا يبرز الدور الحيوى لعلوم البيانات البيولوجية الشاملة، والتى تتكامل لتزويدنا بصورة ثلاثية الأبعاد للنبات، ومن هذه العلوم الحديثة: علم الجينوميا، وهو دراسة مجمل المادة الوراثية للنبات، يسمح لنا هذا العلم بتحديد المواقع الوراثية المتحكمة فى الصفات والجينات الفردية المسئولة عن تحمل الإجهادات البيئية، فهم التسلسل الكامل للشفرة الوراثية، على سبيل المثال، لنبتة القمح، يتيح لنا تحديد نقاط الضعف والقوة الوراثية بدقة فائقة، وعلم البروتيوميات الذى يركز على دراسة جميع البروتينات التى تنتجها الخلية، يساعدنا هذا العلم فى فهم البروتينات التى تتفاعل بشكل مباشر مع المشقات البيئية (مثل بروتينات الحماية من الحرارة)، مما يوجه عملية التعديل الجينى نحو الهدف الجزيئى الأكثر تأثيراً فى الدفاع عن النبتة، أما علم الميتابولوميات (الأيض)، فيدرس الخريطة الكاملة للمركبات الأيضية التى ينتجها النبات لحماية نفسه من الجفاف أو الملوحة (مثل مضادات الأكسدة)، يمكننا هذا العلم من قياس فعالية عملية التعديل الجينى، والتأكد من أن التغيير قد أدى إلى زيادة فى المركبات الدفاعية المطلوبة.. إن التكامل بين هذه العلوم، خاصة عبر تحليل الارتباط على مستوى الشفرة الوراثية، هو الذى يسرّع من عملية اكتشاف «أسرار» النباتات القادرة على الصمود، وتحويل هذه الأسرار إلى أهداف دقيقة، والهدف الأسمى لهذه التقنيات هو تصميم محاصيل خارقة قادرة على العطاء الوفير فى ظروف بيئية معاكسة، نحن نتحدث عن استراتيجيات هندسية جينية متكاملة مثل مكافحة الجفاف وتحسين كفاءة استخدام المياه، وتعد الملوحة تحدياً وجودياً فى المناطق الساحلية والقاحلة، ويوفر التحرير الجينى طريقة سريعة لتفعيل جينات المقاومة الطبيعية الموجودة أصلاً فى النبات ضد الأمراض الفيروسية والفطرية (مثل أصداء القمح)، مما يقلل الحاجة إلى استخدام المبيدات الكيميائية الضارة بالبيئة وصحة الإنسان، إن الاستثمار فى الشفرة الوراثية لا يهدف فقط إلى مقاومة التحديات، بل يمتد لخدمة أهداف التنمية المستدامة فى بعديها الاجتماعى والبيئى بل يهدف إلى زيادة القيمة الغذائية (الإثراء الحيوى) فى المحاصيل، مثال: تطوير أرز غنى بـ «فيتامين أ»، أو قمح غنى بالحديد والزنك، هذا يساهم مباشرة فى مكافحة سوء التغذية و«الجوع الخفى» (نقص المغذيات الدقيقة) المنتشر فى العديد من الدول النامية، مما يُحسن من صحة الجمهور العام ويقلل من الأعباء الصحية على الدول.
ضرورة قصوى
لقد شهدت مراكزنا البحثية وجامعاتنا الكبرى خطوات مهمة فى هذا المسار، شملت العمل على أصناف جديدة من القمح عالية الإنتاجية ومقاومة لأمراض الصدأ الفتاكة والجفاف، وبدأت الجامعات فعلياً برامج بحثية باستخدام تقنيات كريسبر فى تحسين محاصيل استراتيجية لزيادة تحمله للجفاف، عبر استهداف جينات تؤثر على كفاءة استخدام الماء، وتزايد التركيز مؤخرًا على دور الكائنات الدقيقة فى منطقة الجذور للقمح المصرى، باستخدام تحليل الشفرة الوراثية للكائنات الدقيقة الموجودة فى التربة، بهدف عزل وتطوير اللقاحات والأسمدة الحيوية التى تعزز مناعة النبات وتقلل الاعتماد على الأسمدة الكيميائية، مما يسهم فى الزراعة المستدامة.. إن مصر والمنطقة العربية عموماً، تواجه تحديات حقيقية فى ندرة المياه وملوحة التربة وتصحر الأراضى، لذلك، تقع علينا مسئولية مضاعفة لتبنى هذه الثورة العلمية على مستوى مؤسسى واسع، ويكمن المستقبل الزراعى فى الزراعة الذكية المتكاملة، إن هذا التكامل هو الطريق الوحيد والآمن لضمان استدامة الإنتاج الزراعى وتحقيق الأمن الغذائى القومى لأجيالنا القادمة، يجب على صانعى القرار فى مصر أن يدركوا أن الاستثمار فى الشفرة الوراثية لنباتاتنا ومواردنا الحيوية ليس خياراً تكميلياً، بل هو ضرورة استراتيجية قصوى وعلينا أن نرفع سقف طموحنا العلمى، وأن نطلق العنان لباحثينا للوصول إلى طفرات تكنولوجية تضمن لنا الاكتفاء الذاتى فى عالم تتزايد فيه العواصف البيئية، فلتكن جامعاتنا ومراكزنا البحثية هى الحصن الأول الذى يحمى موائدنا وغذاء أبنائنا، ولندرك أن العلم هو خط الدفاع الأخير عن بقائنا.
د. طارق قابيل
خبير التكنولوجيا الحيوية قسم التقنية
كلية العلوم جامعة القاهرة
لماذا يواصل «الإيبولا» حصد الأرواح بعد 50 عامًا من اكتشافه؟
ابتكار أقوى خرسانة فى العالم بعد 20 عامًا من الأبحاث
علماء مصريون «يحبسون» الهيدروجين داخل بلورات ذكية







