فنجان قهوة

أجمل بلد.. بلدى

يسرى الفخرانى
يسرى الفخرانى


أنا مُغرم ببلدى، حبة تراب منها هى روحى، أعرف قيمتها وخاطرها خاطرى، أدعو الله أن أحيا ما حييت بها وأموت فيها، خيرى من خيرها، وما فى قلبى لها هو ما أتمناه لأولادى. وطنى الذى أرفع رأسى به، وأعوذ من شر الغربة بدونه. أسافر فآخذ ما تيسّر من رائحته معى، وأعود لأسلِّم نفسى لكل ذَرة فيه. لا أنام إلا على سرير فى بلدى، ولا آكل إلا فى طبق فى بلدى، ولا أعرف لون البحر إلا فى بحور بلدى. أجمل بلد فى عينى، وأغلى بلد فى نفسى، وأعزُّ الناس ناس بلدى، وأطيبهم أرواح الناس الذين ألتقيهم فى كل مكان فى بلدى.

العيد فى بلدى له فرحته، ورمضان فى بلدى له روح لا تُشبه روح أى بلد. وتلاوة القرآن فى بلدى تردّ الروح، وعتبات الجوامع والكنائس فى بلدى مباركة، وصوت حليم وأم كلثوم وسيد مكاوى والنقشبندى فى بلدى يفرح القلب ويُنعش الذاكرة ويعيدك لزمن نضيف.

أحب لساننا ولهجتنا التى لا تعرف الترجمة، لهجة ترتقى إلى لغة اسمها اللغة المصرية، نُحتت زمنًا بعد زمن بإتقان وحب وروح. لهجة تشبهنا: بسيطة، عميقة، دافئة، فيها حكمة الجدّة وخفة دم أولاد البلد ووقار الحكماء.

أحب بلدى بكل ما فيها، بحلوها ومرّها، بتاريخها العظيم وحاضرها الذى ينتظر منّا أن نكتب فصوله بأيدينا. أدعو الله أن نحول الحب إلى حياة، وأن نُثبت أن الانتماء ليس كلامًا، بل سلوكًا ومسئولية. أن نحافظ عليها ونرفع شأنها ونجعلها نظيفة، رقيقة، ناصعة، كما تليق ببلد علَّمت الدنيا معنى الحضارة.

نحتاج أن نحبها كما أحبّها أجدادنا، وأن نعمل كما عملوا، وأن نُعيد إليها ما أعطته لنا: كرامة، وأمان، وتاريخ، وهوية. نحتاج أن نزرع فى أولادنا الإحساس بأن الوطن ليس فندقًا نغادره عند التعب، بل بيت كبير له حقّ علينا. نحتاج أن نعلمهم أن الطريق إلى مستقبل جميل يبدأ من احترام الشارع، والنيل، والمدرسة، والصوت الجميل، والعامل الشقيان، والطفل الذى يحلم.

أقول لنفسى دائمًا: إذا كان أجدادنا قد صنعوا حضارة تُدرَّس حتى الآن، فليس أقل من أن نصنع حاضرًا يبقى ويعلو ونفتخر بأننا مررنا فيه فتركنا ما يستحق.
أحب بلدى، وأسأل الله أن يجعلنى ممن يتركون فيها أثرًا حسنًا، وأن يكتب لنا جميعًا أن نراها كما تستحق: قوية، جميلة، عادلة، مليئة بالخير.

بلدى لا تحتاج إلى كلمات كبيرة تصفها إنما قلوب طيبة تحبها بصدق، تحتاج من يكْنُس عتبة بيته بمحبة، ويزرع زهرة ولو لم يلتفت إليها أحد، ويقول كلمة خير ولو كان العالم مثقلاً بالضجيج.