أحيا الرئيس الأمريكى الأسبق أوباما فن الخطابة بعد أن كاد يندثر بحجة أن رجال الدولة لا يستخدمون الخطابة الزاعقة وأن عصرها مضى وأن العصر الحالى عصر الحديث الفاتر الذى لا ينغم ولا يهتم بفن الإلقاء. الحقيقة أن الخطابة صنعت التاريخ. وبالأمس ظهر نجم جديد فى الخطابة هو زهران ممدانى الفائز بعمدية نيويورك أكبر مدينة فى العالم وموطن الأمم المتحدة وقلعة الرأسمالية.
هل عودة الخطابة تعنى عودة الشعبوية؟ ليس هناك علاقة حتمية بين الأمرين، لكن من مظاهر الشعبوية، الخطابة الحماسية المؤثرة فى المتلقي. والشعبوية تعود اليوم بقوة، وكأنها تعلن عن عصر جديد يتشكل على أنقاض الأيديولوجيات الكبرى التى أنهكت العالم فى القرن العشرين. تبدو الشعبوية اليوم اللغة الأقرب إلى وجدان الجماهير، تخاطب العاطفة قبل العقل، وتستنهض الإحساس بالهوية والكرامة والانتماء.
فوز ترامب وصعود ممدانى وما نشهده فى أوروبا من صعود أحزاب تتبنى الخطاب الشعبوي، مؤشرات على أن الشعور الجمعى العالمى يتحول. لم تعد الثقة بالسياسيين التقليديين ولا بالمؤسسات البيروقراطية كما كانت، أصبح الناس يبحثون عمن يشبههم ويتحدث بلغتهم. الشعبوية فى جوهرها ليست فكرة بقدر ما هى شعور جماعى بالخذلان والرغبة فى استعادة السيطرة على المصير، بعد عقود من التفاوت الطبقى والتهميش الاقتصادي.
هذا التحول لم يأت من فراغ، بل من أزمات متراكمة. فالعالم بعد الأزمة المالية فى 2008، وبعد جائحة كورونا، وفى ظل الحروب الجديدة وحالة اللايقين الاقتصادي، أصبح أرضا خِصبة لخطابات التبسيط والحلول السريعة. الشعبوى يجيد مخاطبة هذا القلق العام، يصوغه فى عبارات واضحة وحادة ، ولهذا كان للخطابة دور محوري، فهى الأداة التى تحرك الجماهير وتمنح الخطيب الكاريزما ليبدو منقذا سياسيا.
قد يكون العالم بالفعل مقبلا على عصر ذهبى للشعبوية، بمعنى سيادتها كلغة للعصر. فهى التعبير الأوضح عن عالم متشظ، فقد الإيمان بالمؤسسات الكبرى، وهى ليست موجة عابرة، بل مرآة تعكس قلق الإنسان المعاصر. احتجاج على عالم لم يعد مفهوما، صدى لصوت الجماهير لتسمع من جديد، وخطاب أكثر حرارة، وأقرب إلى نبض الناس .

من رحم «النكسة» وٌلد «العبور»
عمرو الخياط يكتب: المسئولية المجتمعية لوزارة الداخلية
الكونجرس الأمريكى ضد الحرب.. من يؤيدها؟!







