د. طارق والى :معمارى ومخطط عمرانى
نتخذ من افتتاح المتحف المصري الكبير نقطة انطلاق لحراك ثقافي نخاطب به أنفسنا ونتوجه به إلى العالم، ومن هنا علينا كمهنيين ومعنيين بالدور الحضاري المصري في عالمنا المعاصر أن نعي ونحدد ما هي الغاية من المتاحف كأحد المؤسسات العامة في المجتمع، وما هو الدور المنوط به المتحف المصري الكبير داخليا للمجتمع المصري وعالميا للمجتمع الإنساني.
لقد شهد مطلع القرن الواحد والعشرين تحولًا لمفهوم ودور المتاحف من كونها مجرد مستودع للممتلكات التراثية والأثرية إلى مؤسسة مجتمعية فاعلة؛ ويعكس هذا التطور تغير الفلسفات العالمية وأثر بشكل كبير على دور المتاحف.
ونتطلع من المتحف المصري الكبير بتفرده من حيث التخصص النوعي الحضاري، واعتباره من أحدث المتاحف في الإقليم والعالم، ليكون له الريادة في تطبيق المفهوم المعاصر بشكل فعال لدور المتحف المجتمعي.
عموما كانت المتاحف تقليديا تهدف إلى حماية التراث والممتلكات الأثرية، بينما التوجه العالمي الحديث أن تهتم سياسة المتاحف بإثراء هذا التراث والتعريف به في إطار ثقافي يتأقلم مع حاجيات ومتطلبات المجتمعات المحلية وتخاطب بها المحتمع الدولي والعالم المعاصر، تحترم المواثيق والمعايير العالمية المتوافق عليها في المنظومات الدولية المعنية بمجالات المتاحف والتراث.
لقد كان التعريف الكلاسيكي في منتصف القرن العشرين كما وضعه المجلس الدولي للمتاحف ـ ICOM (منظمة غير حكومية مخصصة للمتاحف تأسست سنة 1946) هو: «المتحف هو مؤسسة لا تهدف إلى الربح تقوم بصون وبحث وتواصل وعرض التراث المادي للإنسان وبيئته، لأغراض الدراسة والتعليم والمتعة وتقديم المعرفة للجمهور».
وفي مطلع القرن الواحد والعشرين وتحديدا سنة 2007 تم التوافق عالميا في المجلس الدولي للمتاحف على توسيع نطاق عمل المتحف، ودخلت وظيفة جديدة بعرض التراث غير المادي (التقاليد والمعارف والممارسات الثقافية)، وتم إعادة صياغة أغراض المتحف لتضع التعليم والدراسة قبل المتعة.
مساحات متعددة الأصوات
وتطورت رؤية العالم المعاصر لمناقشة دور المتحف كفاعل اجتماعي باعتباره مساحات ديمقراطية وشاملة ومتعددة الأصوات للتفكير النقدي بشأن الماضي والمستقبل، تعمل في خدمة المجتمع، وتجمع الحفظ والتواصل والأبحاث، وعرض التراث الثقافي والمادي وغير المادي، وتلتزم بالمساهمة في الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية والمساواة العالمية؛ وتحول المتحف من «عرض التراث» إلى «فاعل اجتماعي وسياسي».
وقد اعتبر كثيرون هذه الرؤية سياسياً بشكل مفرط، وتُحمل المتحف ما لا طاقة له به، وأثارت نقاشا عالميا حول دور المتحف في المجتمع، وانقسمت المواقف بين من يرون المتحف محايدا، ومن يرونه ملتزماً وفاعلا. وظهرت مبادرات حينئذ في مقدمتها إنشاء المتحف المصري الكبير تعكس بعض هذه القيم.
وتغير تعريف المتاحف بشكل كبير بعد تصويت بالإجماع من قبل أعضاء المجلس الدولي للمتاحف (ICOM) في براج مؤخرا سنة 2022 على تغيير التعريف لمنح كلمة المتحف معنى أكثر معاصرة وشمولية، ليتوازن التعريف الجديد بين الوظائف التقليدية والطموحات المعاصرة، وأكتسب أرضية مشتركة عالميا؛ وجاء التعريف الجديد على النحو التالي:
«المتحف مؤسسة غير هادفة للربح تعمل في خدمة المجتمع، تُعنى بدراسة وتجميع وصون وتفسير وعرض التراث الإنساني المادي وغير المادي والطبيعي، وتحافظ عليه وتعرضه بأساليب شيقة وممتعة وتواكب التطور التقني الحديث. تُفتح المتاحف للجمهور، وتكون شاملة وتعزز الاستدامة والأخلاقيات في عملها المهني، وتعمل بمشاركة المجتمعات، وتقدّم تجارب متنوعة للتعليم والمتعة والتأمل وتبادل المعارف ومشاركة الخبرات التعليمية والابتكارية.»
ومن أهم توصيات المجلس الدولي للمتاحف (ICOM) التغييرالجوهري بإدخال مصطلحات شاملة ومتنوعة كالاستدامة ومشاركة المجتمعات والتأمل وتبادل المعارف، وبالتالي تحول دور المتحف من العرض إلى التفسير وتبادل المعرفة وإشراك المجتمعات في التخطيط والتطوير، مع تعددية التجارب والاعتراف بأن الزائر يبحث عن التعلم والمتعة مع التأمل والتفاعل الاجتماعي.
دور التكنولوجيا الرقمية
إن العصر المعلوماتي بالغ الأثر على سرعة التطور التكنولوجى المتلاحق بحيث أصبح جزءا لايمكن إغفال تأثيره في حاضرنا اليوم، وتساعد التقنيات المشاركة في المجالات العامة والاجتماعية للمتاحف.
واتسعت معها أدوار المتاحف لتشمل أدوارا جديدة غير الثقافية، ونتيجة لتعدد تلك الأدوار تعددت وازدات متطلبات المتاحف الوظيفية والتقنية.
وقد أدى تقدم التقنيات إلى ظهور آليات حديثة خاصة بعمليات العرض منها على سبيل المثال الصور المتحركة ثلاثية الأبعاد، وتزايد استخدام النظم الأوتوماتيكية، كالمتاحف الافتراضية والتى تعد مثالا لتطبيق التكنولوجيا الرقمية في المتاحف.
وأصبح ما نفعله في الفضاء الرقمي امتدادا مباشرا ومكونا أساسيًا لقاعات العرض المادية؛ وأصبحنا بحاجة إلى التفكير في كيفية توصيل مجموعاتنا المتحفية إلى العالم؛ وليس فقط في المتحف أو حيز العرض فلم تعد النهج المتبعة في المشاركة على أدوات التقنية الحديثة أمر نفكر فيه فيما بعد؛ فالتكنولوجيا الرقمية أصبحت الآن حياة حقيقية فى حياتنا المعاصرة.
إجمالاً نتطلع لنجاح المتحف المصري الكبير في مهمته الأولى وهي المحافظة على الممتلكات التراثية والأثرية، ولكن في إطار مهمة سامية عامة معاصرة كما حددتها المعايير العالمية المتوافق عليها، فالهدف الأسمى هو توصيل المعلومة إلى الجمهور الكبير وتحقيق العدالة في حق الجميع في المعرفة والثقافة؛ فدور المتحف المصري الكبير في رسم علاقة المجتمع الإنساني العالمي مع الممتلكات التراثية والأثرية للحضارة المصرية، باعتباره واحدة من أقوى المنصات المجتمعية للالتقاء ولمقابلة الأفكار والتشارك فـيها وتسوية الخلافات بين المتباينات، حيث يمكن أن تسهم في التماسك الاجتماعي وفي القدرات الإبداعية والرفاهية الفردية والجماعية، ويمثل القوى الناعمة القادرة على فتح الحوار بين الحضارات والثقافات الإنسانية والتقارب بين الشعوب والمجتمعات، بدلا من الصراعات والحروب، ومن ثم يُظهر إمكانية المتاحف كمؤسسات قادرة على التغيير ومحفزة للتنمية لرفاهية الإنسانية.
ومع افتتاح المتحف المصري الكبير علينا أن نتخذ من الافتتاح نقطة انطلاق ليكون الباب الكبير للعالم للدخول إلى الحضارة المصرية، ونتوجه به إلى العالم في القرن الواحد والعشرين.
هكذا صنع «العديسى» مستقبلى
يا من كنت صديقى!
القصيدة فأس صغير يهذب به وجه العالم





