على مدى عقود طويلة، ظل عمود الملك مرنبتاح، ابن الفرعون العظيم رمسيس الثاني، شاهدًا صامتًا على تناقضات الحظوظ بين المجد والنسيان.
من بين أكوام القمامة وورش الإهمال، خرج هذا العمود الملكي المصنوع من الجرانيت الوردي ليبدأ رحلة جديدة نحو الخلود، رحلة بدأت في ستينات القرن الماضي، مرّت بمحطات من التهميش، وانتهت بانتصار حضاري حين أعاده المتحف المصري الكبير إلى مكانه الطبيعي في بهوه العظيم، حيث يقف اليوم شامخًا إلى جوار تمثال والده، كأن التاريخ شاء أن يجمع الأب والابن مجددًا في موكب من الضوء والدهشة.
◄ ميلاد الملك مرنبتاح.. وريث المجد الرعامسي
كان مرنبتاح الابن الثالث عشر للملك رمسيس الثاني من زوجته الملكة إست نفرت، وقد تولى العرش بعد وفاة والده العظيم، في زمن بلغت فيه مصر ذروة قوتها السياسية والعسكرية، ورغم أنه حكم قرابة عشر سنوات فقط (من 1213 إلى 1203 قبل الميلاد تقريبًا)، فإن إنجازاته العسكرية والنقوش التي خلفها جعلته أحد أبرز ملوك الأسرة التاسعة عشرة.

يُعرف مرنبتاح في التاريخ المصري بأنه الملك الذي دافع عن حدود مصر الغربية ضد غزو الليبيين وحلفائهم من شعوب البحر، وخلّد انتصاره هذا على جدران المعابد، وأشهرها على لوحة انتصاراته الشهيرة، المعروفة باسم لوحة إسرائيل، المعروضة في المتحف المصري بالتحرير، والتي تُعد أقدم ذكر لكلمة "إسرائيل" في التاريخ البشري.
◄ ولادة العمود الملكي
كان هذا العمود واحدًا من القطع التي أُقيمت في عهده تخليدًا لانتصاراته في منطقة هليوبوليس "عين شمس والمطرية الحالية"، وهي من أقدم المدن المقدسة في مصر القديمة ومركز عبادة الإله رع.
العمود مصنوع من الجرانيت الوردي الأسواني، يبلغ ارتفاعه نحو 5.5 أمتار ويزن قرابة 16 طنًا، نُقشت على سطحه أربعة أسطر باللغة الهيروغليفية تسجل انتصار مرنبتاح العظيم على الليبيين في العام الخامس من حكمه، أي حوالي عام 1208 قبل الميلاد.
اقرأ أيضا| «خبيئة العساسيف».. هدية مصر للعالم مع افتتاح المتحف المصري الكبير
النقوش تفيض بفخر الملك القائد الذي صدّ الغزاة عن أرض مصر، وجاء فيها ذكر الآلهة التي منحته القوة والنصر، مما يجعل هذا العمود ليس مجرد نصب حجري، بل وثيقة حربية شاهدة على قوة الجيش المصري في أواخر الدولة الحديثة.
◄ اكتشاف العمود على يد “منير بسطة”
ظل العمود مدفونًا في الرمال لقرون، إلى أن جاء عام 1960، حين بدأ عالم الآثار المصري منير بسطة أحد أبرز مفتشي مصلحة الآثار آنذاك أعمال حفائر في منطقة عرب الحصن بالمطرية بالقرب من المسلة الفرعونية الشهيرة التي تعود للملك سنوسرت الأول.
وخلال أعمال الحفر، ظهرت كتلة ضخمة من الجرانيت الوردي تعلوها نقوش ملوكية واضحة. وبعد تنظيفها، تبين أنها عمود ضخم يحمل اسم الملك مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني، دوّن منير بسطة اكتشافه في تقاريره الرسمية، وكتب عنه في دورية الآثار المصرية، معتبرًا إياه من أهم شواهد وجود معابد الرعامسة في هليوبوليس، إذ لم يكن معروفًا من قبل أن مرنبتاح شيّد آثارًا في تلك المنطقة.

لكن العمود لم يُنقل آنذاك إلى أي متحف، بل تُرك في مكانه قرب أطلال المعابد القديمة، ليصبح مع مرور الوقت جزءًا من المشهد الشعبي للمنطقة، تحيط به الأبنية العشوائية وأكوام القمامة، حتى غاب عن ذاكرة الأثريين لعقود.
◄ عمود بين القمامة والإهمال
مع التوسع العمراني في منطقة المطرية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، تحوّل موقع عرب الحصن إلى منطقة مزدحمة بالسكان، وبقي العمود وسط أكوام الردم والنفايات، لا يكاد يُرى بين البيوت، حتى قرر المسؤولون في عام 2006 نقله إلى مكان أكثر أمانًا لحمايته من الانهيار والتعديات.
لكن عملية النقل لم تخلُ من الأخطاء. فبدلًا من استخدام الوسائل العلمية الدقيقة، تم اقتلاع العمود بالمعاول والمطارق، ما أدى إلى تكسير قاعدته الأصلية وإصابته بشروخ سطحية في بعض المواضع، وبعد نقله، أُودع في ساحة الورش الأثرية بمنطقة القلعة، حيث كان من المفترض ترميمه وإعداده للعرض، غير أن الظروف حالت دون ذلك.
وهكذا، ظل العمود العظيم اثني عشر عامًا مهملًا في ساحة مفتوحة تتراكم فيها الأخشاب وأدوات العمال والقمامة، وتحول بمرور الوقت إلى ما يشبه “المسند” الذي يُلقى عليه ما تبقى من الأبواب والنوافذ القديمة،
لم يكن أحد يتخيل أن هذا الحجر الجليل يحمل قصة انتصار فرعوني خالد!
◄ صحوة المتحف المصري الكبير
مع انطلاق مشروع المتحف المصري الكبير عام 2010، وبدء أعمال نقل القطع الأثرية الكبرى من مختلف المواقع إلى مخازنه الجديدة، برز اسم “عمود مرنبتاح” على قوائم القطع ذات الأولوية للإنقاذ.
وفي مارس 2018، وبعد أكثر من نصف قرن على اكتشافه، حان موعد عودته إلى الحياة.

استعدت فرق الترميم والنقل الثقيلة التابعة لوزارة السياحة والآثار لهذه المهمة الدقيقة، بإشراف مباشر من الدكتور مصطفى وزيري، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار سابقا ، والدكتور عيسى زيدان، مدير عام الترميم ونقل الآثار بالمتحف الكبير.
جرى فحص العمود في موقعه بالقلعة باستخدام أجهزة التصوير بالليزر والموجات فوق الصوتية لتحديد حالته الإنشائية والشروخ الداخلية، قبل وضع خطة تفصيلية لرفعه ونقله.
◄ موكب الإنقاذ.. عودة الملك إلى مجده
في فجر أحد أيام مارس 2018، شهدت القاهرة مشهدًا أثريًا استثنائيًا. انطلقت من قلعة صلاح الدين شاحنة ضخمة مجهزة بوسائد هوائية ونظام اهتزاز خاص، تحمل على ظهرها العمود الملكي الذي طال نومه.
وعلى طول الطريق الممتد نحو الجيزة، رافق الموكب رجال الأمن وخبراء الترميم، فيما تناقلت وسائل الإعلام المحلية والعالمية صور النقل في بث مباشر، لم يكن الأمر مجرد نقل قطعة أثرية، بل استعادة صفحة من تاريخ مصر كانت مهددة بالاندثار.
وبعد ساعات من السير البطيء الدقيق، وصل الموكب إلى ساحة المتحف المصري الكبير، حيث استقبله عشرات الأثريين والعاملين بالمتحف بالتصفيق والدموع، لقد عاد العمود الملكي أخيرًا إلى بيته الحقيقي، بعد رحلة دامت أكثر من 3000 عام من النسيان والرحلات الشاقة.
◄ الترميم العلمي.. عودة النقوش إلى الحياة
فور وصول العمود إلى مركز الترميم بالمتحف، بدأ فريق العمل أعمال التنظيف الميكانيكي لإزالة الأتربة والرواسب، تلاه تنظيف رطب دقيق باستخدام مواد آمنة لا تؤثر على اللون الأصلي للجرانيت الوردي، كما جرت عمليات تثبيت للقشور الضعيفة وتقوية الشروخ الدقيقة بمواد متوافقة مع طبيعة الحجر.

يقول الدكتور عيسى زيدان إن الفريق استخدم أحدث تقنيات الترميم الحديثة "دون أي ضرر بالأثر"، مشيرًا إلى أن «كل خطوة تمت وفق منهج علمي معتمد من اللجنة الدائمة للآثار المصرية».
وأضاف: «العمود كان في أفضل حالاته منذ اكتشافه، وتم تثبيته على قاعدة خاصة صُممت لحمله بأمان داخل البهو العظيم للمتحف».
◄ الملك في عرشه الجديد
في مايو 2018، استقر العمود أخيرًا في مكانه النهائي ببهو المتحف المصري الكبير، إلى جوار تمثال الملك رمسيس الثاني، وكأن القدر جمع الأب والابن من جديد بعد أكثر من 3200 عام.
أصبحا معًا أول قطعتين أثريتين تُعرضان في هذا البهو الفريد، الذي يتوسطه "الدرج العظيم" المؤدي إلى قاعات العرض الدائمة.
يصف الدكتور مصطفى وزيري المشهد بقوله: «كان مشهدًا مهيبًا حين ارتفع العمود في موقعه الجديد. لم يكن مجرد تركيب قطعة أثرية، بل إعادة إحياء لرمز ملكي نجا من الموت مرتين؛ مرة في التاريخ، ومرة في الإهمال الحديث».
ويُعد العمود اليوم جزءًا أساسيًا من السرد المتحفي في البهو العظيم، حيث يروي قصة الملكية المصرية في عصر الدولة الحديثة، ضمن قسم يضم تماثيل ضخمة لرمسيس الثاني وأمنحتب الثالث وآلهة مصر القديمة.
◄ رمزية العمود.. انتصار على الزمن
يقف الزائر اليوم أمام العمود في بهو المتحف الكبير، فتلفت نظره نقوش واضحة تصور اسم الملك مرنبتاح داخل خرطوش ملكي، تحيط به الرموز الدينية للإله آمون رع، وآلهة الحرب والنصر.
ويبدو العمود، بطوله المهيب، كأنه رمز لانتصار الحضارة المصرية على الإهمال والزمن، إذ تحوّل من مهملٍ في ورشة، إلى قطعة مركزية في أضخم متحف في العالم.

يشير علماء الآثار إلى أن هذا العمود يحمل قيمة علمية كبيرة، لأنه يوثّق علاقة الأب والابن في مرحلة حرجة من التاريخ المصري؛ حيث كان مرنبتاح آخر أبناء رمسيس الثاني الذين تولوا الحكم، وقد واجه تحديات داخلية وخارجية كبيرة، أبرزها هجمات الليبيين، وهي الحروب التي سُجلت تفاصيلها على هذا العمود.
◄ المتحف المصري الكبير.. مسرح الخلود
لم يكن اختيار موقع العمود إلى جوار تمثال رمسيس الثاني مصادفة. فالمتحف الكبير صُمم ليكون جسرًا بصريًا بين الأهرامات في الخارج والتاريخ في الداخل، يبدأ بالرموز الكبرى للحضارة المصرية التي خلدت الملوك والآلهة.
ويشرح وزيري أن «الدرج العظيم» في البهو ينقسم إلى أربعة أقسام رئيسية:
1- تجسيد صورة الملك في النحت ثلاثي الأبعاد.
2- علاقة الملك بالآلهة ومشاركته في الطقوس المقدسة.
3- الجانب العقائدي لحماية الملك بعد الموت.
4- الجدول الزمني والتاريخي لتطور الملوك والملكية المصرية.
ويُطل العمود من موقعه مباشرة على الواجهة الزجاجية التي تُظهر أهرامات الجيزة في الخلفية، في مشهد يختزل تاريخ الملكية المصرية من بدايتها إلى ذروتها.
◄ حين ينتصر التاريخ على النسيان
بعد رحلة دامت أكثر من ثلاثة آلاف عام، من معابد المطرية إلى ميادين القاهرة، ومن الورش المهملة إلى بهو الخلود، يقف اليوم عمود مرنبتاح شامخًا في مكانه اللائق.
ليس فقط كأثر ملكي من الجرانيت الوردي، بل كقصة إنقاذ وطنية تُثبت أن المصريين قادرون على إعادة الحياة إلى تراثهم بأيديهم.
لقد تحول العمود من رمز للإهمال إلى رمز للنهضة، ومن قطعة منسية إلى شاهد حي على إرادة مصر في صون تراثها، واليوم، حين يدخل الزائر إلى المتحف المصري الكبير، يرى الأب والابن رمسيس ومرنبتاح يتجاوران في بهو المجد، وكأن الزمن طأطأ رأسه احترامًا لحضارةٍ لا تموت.

«التلمذة الصناعية».. تصحيح مسار أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟







