العالم بأسره يترقب، الأنظار تتجه نحو الجيزة، والقلوب تخفق شوقًا للحظة التي تفتح فيها مصر أبواب أعظم متاحف الأرض "المتحف المصري الكبير" وغدًا، حين يُرفع الستار عن كنوز الفراعنة، سيكون في مقدمة المعروضات واحدة من أندر وأروع الاكتشافات الأثرية في القرن الحادي والعشرين "خبيئة العساسيف"، التي أعادت للعالم سحر الحضارة المصرية القديمة، وكتبت فصلًا جديدًا في قصة مجد لا ينتهي.
في مشهدٍ سيظل محفورًا في ذاكرة التاريخ، يقف علماء الآثار المصريون أمام اكتشاف مذهل تجسّد في ظهور 30 تابوتًا خشبيًا ملونًا في حالة حفظ استثنائية، وُجدت كما تركها المصري القديم قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام.

هذه هي خبيئة العساسيف، أول مجموعة توابيت كاملة تظهر بحالتها السليمة منذ القرن التاسع عشر، والتي اكتُشفت بأيادٍ مصرية خالصة في منطقة جبانة العساسيف وذراع أبو النجا غربي الأقصر.
يروي لـ«بوابة أخبار اليوم»، الدكتور مصطفى وزيري، عالم المصريات الجليل قصة هذا الكشف قائلاً: "بدأ كل شيء عندما لاحظ فريق البعثة المصرية تغيرًا في لون الرمال أثناء الحفائر، وبمجرد إزالة الطبقات الأولى، ظهرت حافة تابوت خشبي مزخرف، ثم آخر، ثم ثالث... حتى تكوّنت أمامنا صفوف كاملة من التوابيت المغلقة لم تُفتح منذ آلاف السنين".

يتابع وزيري بفخر: "لقد كان مشهدًا مهيبًا، كأننا نعيش لحظة من الماضي؛ 30 تابوتًا متراصًا في صفين، أحدهما يضم 18 تابوتًا والآخر 12، جميعها تحتفظ بألوانها ورسوماتها ونقوشها التي تحكي عن حياة ومعتقدات المصريين القدماء ".
ويشير الأثريون إلى أن هذه التوابيت تعود إلى الأسرة الثانية والعشرين، أي إلى نحو القرن العاشر قبل الميلاد، وتخص كهنة وكاهنات وأطفالًا خدموا في معابد آمون وخونسو بالأقصر.
ويرجّح الباحثون أن أحد كبار الكهنة جمعها من مقابر متعددة لحمايتها من السرقة، فخبأها في مخزن صخري آمن على عمق متر واحد فقط من سطح الأرض.

لم يكن هذا الاكتشاف مجرد حدث أثري، بل رسالة للعالم عن قدرة المصريين على صنع التاريخ من جديد، فبعد أن كانت البعثات الأجنبية هي التي تتصدر المشهد في القرنين الماضيين، جاءت خبيئة العساسيف لتؤكد أن أبناء الحضارة أنفسهم هم القادرون على الكشف عن أسرار أجدادهم بعلمٍ وحبٍ وانتماء.
اقرأ أيضا| جعل رمسيس يمشي واقفًا.. حكاية «حارس المتحف الكبير» ومعجزة القرن
وخلال الاستعداد لافتتاح المتحف المصري الكبير، تم تجهيز قاعة خاصة تحمل اسم "خبيئة العساسيف"، تُعرض فيها التوابيت الثلاثون في تشكيلٍ يبرز جمالها وألوانها الأصلية، مع تقنيات إضاءة وصوت حديثة تُعيد إحياء روح الكهنة الذين عاشوا قبل آلاف السنين.

ويقول وزيري عن هذه القاعة: "إنها ليست مجرد عرضٍ للآثار، بل تجربة روحية تعيد الزائر إلى عمق التاريخ المصري، حيث يمكنه أن يرى بأم عينيه كيف كانت العقيدة والخلود محور حياة المصري القديم".
ومع اقتراب افتتاح المتحف غدًا، تتجه عيون العالم نحو مصر التي تثبت مرةً أخرى أنها أم الدنيا، وتاريخها لا يزال يتحدث إلى الإنسانية جمعاء. فالمتحف المصري الكبير ليس فقط أكبر متحف في العالم مخصص لحضارة واحدة، بل هو جسر بين الماضي والمستقبل، ونافذة تُطل منها مصر على العالم لتقول: "ها نحن هنا، نحرس التاريخ وننقله للأجيال القادمة".

«التلمذة الصناعية».. تصحيح مسار أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟







