جيولوجيا وحفريات لاستشراف مستقبل المياه الجوفية

باحث مصرى يفك شفرة ماضى الصحراء الكبرى

باحث مصرى يفك شفرة ماضى الصحراء الكبرى
باحث مصرى يفك شفرة ماضى الصحراء الكبرى


رغم المشهد القاحل الذى يهيمن اليوم على الصحراء الكبرى وصحراء مصر الغربية، إلا أن هذا الامتداد الهائل من الرمال لم يكن دائما رمزا للجفاف والموت، فقبل آلاف السنين، كما تكشف الدراسات الجيولوجية الحديثة، كانت هذه الأرض مروجا خضراء يعبرها شريان من الأنهار والبحيرات، وتنبض بالحياة النباتية والمائية.


وفى دراسة علمية نُشرت مؤخرا فى دار النشر «سبرينجر نيتشر»، طرح الدكتور محمد يوسف، رئيس قسم الجيولوجيا بمركز بحوث الصحراء، نظرية علمية جديدة تربط بين البيئة القديمة للصحراء الكبرى وسبل استشراف مستقبل المياه الجوفية فى المنطقة.
يقول الدكتور يوسف إن الماضى الجيولوجى ليس مجرد سجل تاريخى نُسج فى الصخور والرواسب، بل هو دليل عملى يمكن من خلاله توجيه قرارات التنمية واستراتيجيات البحث عن المياه اليوم، ففهم كيفية سريان المياه فى عصور مطيرة قديمة يمكن أن يكشف عن أماكن تخزينها فى باطن الأرض حتى يومنا هذا.
وتوضح النظرية أن الصحراء الكبرى لم تكن دائما جافة، بل شهدت دورات مناخية متعاقبة، بعضها رطب وغنى بالمياه العذبة، تركت بصماتها فى الطبقات الجيولوجية العميقة. ومن خلال دمج تقنيات الاستشعار عن بعد، والنمذجة الجيولوجية، والتحليل المناخى، يمكن للباحثين رسم صورة ثلاثية الأبعاد لتاريخ الأرض المائى، وتحديد المناطق التى كانت تُغذى بالمياه السطحية فى العصور الجيولوجية القديمة، وهى اليوم المرشحة الأقوى لاحتضان خزانات جوفية واعدة.
ويشير الدكتور يوسف إلى أن الاعتماد على هذا الفهم المتكامل يقلل من الحاجة إلى الحفر العشوائى، ويوجه جهود الاستكشاف إلى نطاقات محددة علميا تمثل مناطق تغذية قديمة للمياه.
ومع تصاعد تحديات التغير المناخى وشح الموارد المائية فى شمال إفريقيا، تكتسب هذه النظرية أهمية استراتيجية، إذ تفتح الباب أمام تخطيط تنمية مستدامة مبنية على فهم عميق لتاريخ الأرض نفسه.
فالصحراء الكبرى، كما يؤكد الباحث المصري، ليست مجرد بحر من الرمال، بل أرشيف طبيعى حى يحتفظ فى طبقاته بأسرار ماضٍ خصب، وقد يحمل فى طياته مستقبلا أكثر خضرة مما نتخيل.