سميحة شتا
يشهد لبنان خلال المرحلة الراهنة، زخمًا غير مسبوق فى مستوى الدعم الدولى المُوجَّه إلى جيشه الوطنى، فى ظلّ بيئة سياسية وأمنية متشابكة تتقاطع فيها الحسابات الإقليمية بالمصالح الدولية، فبعد جلسة خاصة لمجلس الأمن خُصصت لمناقشة التطورات فى الجنوب اللبنانى، جدد المجلس تأكيده على دعم سيادة لبنان ووحدة أراضيه، وشَدَّد على ضرورة حصر السلطة الشرعية بيد الدولة عبر مؤسساتها العسكرية والأمنية، فى هذا السياق، تتزايد الضغوط الغربية على بيروت، لاسيما من الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، لتنفيذ التزاماتها المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة، غير أنّ الحكومة اللبنانية تُواجه معضلة مزدوجة: كيف يمكن تنفيذ قرار نزع سلاح «حزب الله» دون جرِّ البلاد إلى مواجهة داخلية جديدة أو تفجير استقرارها الهش؟ هذا السؤال يُعَمِّق الانقسام بين مؤسسات الحكم، إذ يختلف موقف رئاسة الجمهورية عن موقف الحكومة بشأن آليات التنفيذ وسرعته، فيما يراقب المجتمع الدولى، مسار الأحداث ليقرر مستوى دعمه المقبل للبنان.
وفى موازاة هذه الضغوط، تُطرح فكرة عقد مؤتمر دولى لتسليح الجيش اللبنانى وتطوير قدراته، بهدف تمكينه من تطبيق القرارات الدولية وبسط سلطة الدولة بالجنوب، إلا أن هذه الفكرة لا تزال قيد التداول، وسط تحفظات داخلية ومعارضة من «حزب الله» الذى يرفض تسليم سلاحه شمال الليطانى، بينما يبقى الغموض مُسيطرًا حول مدى تنفيذ الاتفاق فى الجنوب، التحول فى طبيعة الدعم المُوَجَّه إلى الجيش يعكس تبدل الأولويات الدولية، فبعد أن ركزت المساعدات فى السابق على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود، باتت اليوم تُستخدم كأداة سياسية لتعزيز سلطة الدولة ومواجهة نفوذ الميليشيات.
اقرأ أيضًا | نزع سلاح حزب الله.. الاختبار الصعب
الولايات المتحدة كانت فى طليعة الدول، التى أعادت توجيه مساعداتها نحو هذا الهدف الجديد، فقد أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب، عن حزمة دعم بقيمة 230 مليون دولار، بينها 190 مليونًا للجيش، و40 مليونًا لقوى الأمن الداخلى، وذلك رغم تقليص برامج المساعدات الخارجية فى مناطق أخرى، هذا التَوجّه لا ينفصل عن الرؤية الأوسع للقوى الغربية والعربية الساعية إلى إنهاء ظاهرة الميليشيات بالمنطقة وإرساء نموذج الدولة المركزية القادرة، وقد جاء انتخاب العماد جوزف عون رئيسًا للجمهورية، وتسمية نواف سلام رئيسًا للحكومة، فى سياق تفاهمات دولية هدفت إلى توحيد القيادة السياسية والعسكرية حول مشروع «السلاح الشرعى الوحيد»، غير أن هذا المشروع يصطدم بعقبات كبيرة، فى مقدمتها الموقف الإيرانى الرافض لأى محاولة لنزع سلاح «حزب الله»، الذى تعتبره طهران ركيزة دفاعها الأولى بالمشرق، وبين الضغوط الخارجية وحسابات الداخل، يجد الجيش اللبنانى نفسه أمام مهمة شديدة الحساسية تتطلب موازنة دقيقة بين تنفيذ القرارات الدولية والحفاظ على وحدة المؤسسة العسكرية وتجنب الصدام الأهلى.
فى موازاة هذه التطورات، تتسارع التحركات الدولية لدعم لبنان على أكثر من صعيد، فالرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، جَدَّد فى رسالة إلى الرئيس جوزف عون، التزام باريس بتنظيم مؤتمرين دوليين قبل نهاية العام، الأول مخصص لدعم الجيش اللبنانى بصفته «حجر الزاوية فى تحقيق السيادة الوطنية»، والثانى لإعادة إعمار لبنان وإنعاش اقتصاده، أما الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، فأشاد بخطوات القيادة اللبنانية فى مسار حصر السلاح بيد الدولة، ما عكس توافقًا أمريكيًا فرنسيًا غير مسبوق حول ضرورة تمكين الدولة اللبنانية من بسط سلطتها الكاملة.
هذا التوجه يجد صدى أيضًا لدى الدول العربية، إذ دعا السفير المصرى علاء موسى، إلى «إنهاء مسألة السلاح غير الشرعى»، مشيرًا إلى أن استقرار لبنان بات جزءًا من مشهد إقليمى جديد يتطلب دولًا قوية ذات سيادة كاملة، وتشير مصادر دبلوماسية، إلى أن عبارة «جمع السلاح غير الشرعى» أصبحت بمثابة كلمة السر لدى أصدقاء لبنان الغربيين والعرب، الذين يعتبرون أنَّ استقرار البلاد يخدم مصالحهم الاستراتيجية بالمنطقة، فى ظل ما يُرسم من خرائط جديدة للشرق الأوسط.
فى ظل هذا التلاقى الدولى حول دعم لبنان، يبقى التحدى الحقيقى فى الداخل، حيث تصطدم الخطط بالانقسامات السياسية والتجاذبات الطائفية والمصالح المتشابكة.
فالمجتمع الدولى يريد جيشًا قادرًا على فرض السيادة وحماية الحدود، لا مجرد قوة ضابطة للاستقرار، وإذا ما ترددت السلطات اللبنانية فى المُضى قدمًا فى هذا المسار، فإنها تخاطر بخسارة الزخم الدولى، ما قد يفتح الباب مجددًا أمام الفوضى والانقسام، أو حتى مواجهة محتملة مع إسرائيل فى حال فشل تطبيق الالتزامات الأمنية. يقف لبنان اليوم أمام مفترق طرق حاسم، فإما أن ينجح فى استثمار الدعم الدولى لإعادة بناء مؤسساته وتعزيز سيادته وتحقيق مبدأ «السلاح الواحد»، أو أن يبقى أسير التوازنات الهشة والرهانات الخارجية، التى عطلت قيام دولته لعقود، وبين الطموح والواقع، يظل الجيش اللبنانى اللاعب الأكثر حسمًا فى تحديد مستقبل البلاد، والعنصر الذى يُعوِّل عليه الداخل والخارج لترسيخ معادلة الدولة الواحدة على أرض أنهكها الانقسام والسلاح والسياسة.
6 مليارات دولار «مُعلقة»| قطر: المفاوضات تحدد مصيرها.. وخلافات «هرمز» مستمرة بين واشنطن وطهران
خيار الحرب ليس مطروحا| أمريكا تنتظر موافقة كتابية من إسرائيل على وثيقة غزة
«الصحة العالمية» تحذر من تصاعد آثار موجة الحر





