بيت آل غبّان.. يسند كتفه إلى الزمان |450 عامًا من تاريخ «القصير» محفورة فى الخشب والحجر

تركيبة مواد بناء المنزل تُخبر عن جغرافيا المكان والاقتصاد والتاريخ
تركيبة مواد بناء المنزل تُخبر عن جغرافيا المكان والاقتصاد والتاريخ


فى «حارة فوق» بالمنطقة الشرقية من القصير، يقف بيت آل غبّان كأنه يسند كتفه إلى الزمن ويترك للبحر أن يلطّف روحه، واجهة خشبية بمشربياتٍ محفورة بعناية، وباب «منكسر» يحجب الداخل بطرفة عمارة عثمانية تعرف معنى الخصوصية والنسيم فى مدينةٍ وُلدت على طريق الحجاج والتجّار.



اقرأ أيضًا | شاشات عملاقة بالميادين| البحر الأحمر تبث لحظة افتتاح المتحف المصري الكبير

يقول د. ياسر خليل، أستاذ جامعى ومن أبناء القصير: هذا المنزل وثيقة حيّة تُدرَّس قبل أن تُزار؛ فتركيبة مواده وحدها تُخبر عن جغرافيا المكان والاقتصاد التاريخي، حجر كوارتز وحجر جيرى وطفلة من جبال القصير، وأسقف خشبية سميكة صالحت الملوحة والريح سنواتٍ طويلة دون أن تتخلى عن وظيفتها الأساسية: تكييف طبيعى قبل اختراع المراوح، ومشربيات تُهذّب الضوء وتُدوّر الهواء، وبهو داخلى يوزّع الحرارة كخزان بارد فى قلب بيت من ثلاثة طوابق. ويضيف: هندسة السلالم بزوايا الانكسار، وحجم «المقعد» المخصص لاستقبال الضيوف، وتعدد الغرف واتساع المخزن، كلها قرائن تُطابق نماذج بيوت الموانئ العثمانية على البحر الأحمر، حيث البيت جزء من منظومة طريق الحج والتجارة، لا مجرد سكن لعائلة واحدة.

يتقدّم مصطفى سبّاق، أحد أبناء القصير والمهتمين بالتراث المحلي، بالمفتاح الكبير ويقول خريطة البيت الحيّة عبارة عن الطوابق: ثلاثة تعلو فوق بهو داخلي، يتوزع حوله «المقعد» وغرف عائلية متعددة الوظائف، مع ممرات تهوية علوية «مناور»، والمبنى من حجر محلى (كوارتز/جير/طفلة)، طلاء جيرى قابل للتنفّس، أسقف خشبية كثيفة، مشربيات وبلكونات بارزة لكسر حدّة الشمس وتوجيه النسيم.

يؤكد د. ياسر خليل أن البيت يُثبت ثلاثة أمور: أولًا، أصالة الطراز العثمانى فى عمارة القصير الساحلية وقدرته على التكيّف المناخي، ثانيًا، تشابك الاجتماع والاقتصاد؛ فالبيت «محطة» داخل شبكة الميناء لا وحدة معزولة، وثالثًا، التحوّل من ذاكرة أسرة إلى ذاكرة مدينة، إذ أصبح مقصدًا للزوار باعتباره فصلًا مكتملًا من سيرة القصير. ويتابع: «هذا نموذج صالح للتوثيق العلمى والرفع المعماري، ومن خلاله يمكن بناء مسار تراثى يربط القلعة والسقالة والبيوت القديمة فى تجربة واحدة».

يعيد مصطفى سبّاق سرد التفاصيل الصغيرة التى لا ترصدها الكاميرات «الخط الرفيع فى حجر الزاوية حكاية رجفة قديمة ثم هدأت، أثر الملح على شريط خشبٍ واجه البحر أعوامًا، أصوات المفاتيح عند الغروب وهى تُعلن موعد سكون البيت». يبتسم: «البيت لا يعيش بالصور بل بالخطى التى تعبره كل يوم، وكل زائر يترك جزءًا من حكايته ويرحل».

بيت آل غبّان ليس مجرد أثر محفوظ؛ إنه مدرسة عمارة وعلم مناخ اجتماعي، وذاكرة طرقٍ ربطت الحجاز بوادى النيل عبر ميناء واحد وبيت واحد صوت الخشب فى المشربية، وبرودة الحجر تحت اليد، ورنين القفل عند المساء؛ هذه كلها مصادر أولية لصحافة المكان، تضع بين يدى القصير فرصة تحويل التراث إلى حياة معاشة، لا إلى vitrines صامتة. وفى البوابة العتيقة، يبقى المفتاح مع أهل الدار، لتظل القصة قابلة للرواية، والغرفة قابلة للتنفس، والبيت قابلًا للحياة.