محمد ناصر فرغل يكتب: مناورات الشطرنج (11)

محمد ناصر فرغل
محمد ناصر فرغل


ربع قرن على رقعة الشرق الأوسط تدير خلالها إسرائيل الصراع بعقل بارد وصبر استراتيجي، حتى بلغت لحظة الإفصاح الكامل؛ فتصويت الكنيست على ضمّ كامل الضفة الغربية ليس مجرد إجراء تشريعي، بل إعلان رسمي عن مرحلة جديدة من المشروع الإسرائيلي الممتد، في محاولة لتكريس الضفة كجزء لا يُفصل عن الخريطة الإسرائيلية.. رسالة صريحة بأن “الحل النهائي” الذي بشّرت به أوسلو بات دربًا من الخيال.

كذلك، موافقة الكنيست على ضم مستوطنة “معاليه أدوميم” تغيّر تموضع القطع على رقعة الشطرنج، لأنها تعني جغرافيًا شطر الضفة إلى نصفين، أي إلغاء أي إمكانية لدولة فلسطينية متصلة، وتحويل المدن الفلسطينية إلى جيوب معزولة تحت سيطرة أمنية واقتصادية مطلقة.. تمرير قانوني ضم الضفة والمستوطنة يعد بمثابة إعلان إسرائيلي يستدعيها الاحتفال بإغلاق آخر ثغرة في مشروع حل الدولتين، وإعلان شهادة وفاة الدولة الفلسطينية!

وزير مالية الاحتلال بتسلئيل سموتريتش قالها بوضوح بعد الجلسة: “الكنيست قال كلمته، الشعب قال كلمته، وحان الوقت لفرض السيادة على كل أرض يهودا والسامرة (مصطلح يُستخدم للإشارة إلى الضفة لتأكيد الرواية التوراتية التي تعتبر هذه المناطق جزءًا من "أرض الميعاد)".

في لغة الشطرنج، صرخة سموتريتش ليست من باب النصر، بل إعلان انتقال إلى مرحلة اللعب المفتوح بلا أقنعة.. اليمين الإسرائيلي لم يعد يخشى الرفض الدولي ولا بيانات القلق الأوروبية، لأنه يدرك أن واشنطن فقدت قدرتها على الضغط داخل تل أبيب، وأن العالم العربي غارق في محاولات التطبيع التي تحولت من ورقة ضغط إلى مظلة صمت!

منذ بداية حرب غزة، استخدمت الحكومة اليمينية النار في الجنوب لتغطية الضم في الشمال؛ فكلما تصاعدت المجاعة في رفح وخان يونس، كانت الجرافات توسع مستوطنات الضفة، وتقطف ثمار الحرب بقانون يكرّس الاحتلال كسيادة “شرعية” أمام المجتمع الدولي.

النقلة الأخطر على الرقعة ليست في الضفة فقط، بل في ما بعدها؛ فبضم “معاليه أدوميم” وربطها إداريًا بالقدس، تكون تل أبيب قد أرست مبدأ “السيادة المتصلة”، وهو التعبير القانوني الذي سيسمح لها بضم مناطق C تباعًا دون الحاجة لقرارات جديدة.. أي أنّ اليوم هو البداية الرسمية لضمّ الـ٦٠٪ من مساحة الضفة، تحت غطاء برلماني محلي بدل الاحتلال العسكري الدولي، بذلك يتحول الاحتلال إلى إدارة مدنية كاملة، بينما اتفاقيات أوسلو يتم دفنها دون حتى إعلان جنازة!

في الداخل الإسرائيلي، مكاسب المناورة ليست جغرافية فقط، بل سياسية بامتياز؛ فنتنياهو المحاصر داخليًا، وجد في هذا التصويت فرصة لتوحيد اليمين خلفه، وتحويل الغضب الشعبي إلى حماسة قومية تغطي فشل الحرب في غزة. واليمين الديني، الذي يسيطر على وزارات المالية والأمن القومي، حصل على المقابل الحقيقي لتحالفه مع الليكود؛ ضم فعلي يضمن بقاءه في الحكم لأجيال قادمة. أما الجيش، فيواصل دوره كحارس لهذا التحول، مفسحًا المجال للمستوطنين كي يصبحوا شركاء رسميين في الحكم.

على الجانب الآخر، السلطة الفلسطينية تتفرج من خارج الرقعة، تكرر مشهد غزة؛ بيانات متكررة، وخطابات عن “التحرك في الأمم المتحدة”، في الوقت الذي تترك خلاله إسرائيل تلعب وحدها!

تدرك القاهرة أن ما يجري في الضفة أخطر من القنابل في غزة، والمعادلة التي بنتها مصر طيلة الأشهر الماضية تقوم على تثبيت التهدئة في غزة، وضمان أن تكون إعادة الإعمار مدخلًا لعودة المسار السياسي، لا غطاء لضم الأرض. لكنّ قرار الكنيست اليوم يعقّد المشهد، ويحول رقعة الشطرنج إلى ساحة مزدوجة؛ حرب منتهية في الجنوب، ومشروع ابتلاع في الشمال!

في قمة شرم الشيخ، نجحت مصر في إعادة البوصلة إلى اتجاهها الصحيح؛ قدمت ما يشبه “خارطة إنقاذ” للوعي العربي قبل أن تكون خطة سياسية لإنهاء العدوان على غزة. وأقولها بصدق شديد، إن غياب موقف عربي موحد تجاه ما يجري في الضفة وغزة يهدد بأن تذوب نتائج شرم الشيخ في دوامة التردد والانقسام، لتعود المبادرات إلى نقطة الصفر.

في النهاية، كل طرف يحسب مكاسبه على الرقعة بطريقته؛ إسرائيل ترى أنها ضمنت الأرض، والولايات المتحدة تكتفي ببيانات دبلوماسية ترفع عنها الحرج، والعرب يراهنون على مكاسب "اتفاقات إبراهام" أكثر من العدالة للأشقاء، أما الفلسطينيون فلم يتبقى لهم أمام رصاص الاحتلال وبرد الشتاء إلا مظلة ممزقة مدون عليها شعار "صامدون"!

صحيح أن التاريخ لا يُكتب بمن يتحكم في الرقعة، بل بمن يصمد فيها حتى النهاية، لكن الصمود وحده لا يصنع النصر.. وحدة الصف العربي أمام مناورات الاحتلال هي الدرع الأوحد لكتابة فصل جديد في مستقبل الشرق الأوسط؛ فالدولة الفلسطينية لم تعد حلمًا سياسيًا، بل اختبارًا أخلاقيًا أمام العرب.