عصر المعرفة

مصادر السرد ومخاطره

د.محمد سليم شوشة
د.محمد سليم شوشة


الدين هو مصدر الحب والتسامح والرحمة وباعث العمل والعطاء والكرم مع الجميع، ومصدر كل القيم المثالية والجميلة.

فى مقالنا السابق تحدثنا عن مركزية السرد فى الحضارة الإنسانية ومركزية دوره وأهميته العظيمة والخفية، وما أثبتته له العلوم الإدراكية والدراسات الأنثروبولوجية من قيمة عظيمة على المستويين الفردى والجماعي، واليوم نحن بحاجة لأن نبحث فى وضعه الراهن أو نتعمق فى استكشاف أدواره ومصادره وحالته عموما فى إطار من السياقات الراهنة وبشكل خاص سياق التطور التكنولوجى العظيم الذى أصبحت فيه التكنولوجيا مصدراً عظيماً ليس لعرض السرديات وتداولها فقط، ولكن أيضا لإنتاجها وتفسيرها وتغييرها أو تزييفها وزعزعة أشكال قديمة ومستقرة منها. 
فالدين أى دين يقوم فى الأساس على سرديات وقوة خطابات وحكايات متداولة تجعلنا مؤمنين به أو واثقين فيه كل الثقة أو بتعبير آخر نقول إن هذه السرديات فى أى دين هى ما يحدد سلوك أصحاب هذا الدين ويشكل منطقهم ومواقفهم الفكرية والنفسية، فالدين الذى تقوم سروده أو محتوياته السردية الموروثة على التسامح فى الغالب سيكون أهل هذا الدين متسامحين وأكثر عقلانية وأكثر سيطرة على نفوسهم على نحو ما يأتى فى مقولة جلال الدين الرومى (غاية التدين السيطرة على النفس، لا على الآخرين)، فهذه سردية صوفية للدين، إذا غلبت فى مرحلة تاريخية معينة فإنها حتماً ستقود إلى هيمنة نظام سلوكى معين للجماهير، فالدين هو مصدر الحب والتسامح والرحمة وباعث العمل والعطاء والكرم مع الجميع، ومصدر كل القيم المثالية والجميلة، هذا أحد أشكال الفهم والسرديات.
لكن هناك كذلك سردية أخرى ربما تكون عصابية أو مأزومة أو نتاج حال غير صحية من رد الفعل أو التفسير الخاطئ أو غير الدقيق أو التفسير السطحى للدين، تجعله كله يقوم على النفور من الآخر وكراهيته والسعى لإيذائه بكل الصور لمجرد أنه مختلف. 
الوطن كذلك تتشكل هويته عبر السرديات والمتداول من الخطابات التى هى كلها سرود أو منتجات سردية تتنقل من عصر إلى عصر ومن جيل لآخر، فسرديات البطولة الوطنية مثلا أو سرديات الثورة وتشكل الدولة أو مراحلها المفصلية أو سرديات الحدود والأرض وحكايات البشر من أجل الأرض كما هى الحال فى سردية حرب أكتوبر المجيدة وقدر ما تعكس من علاقة الإنسان المصرى بكل شبر فى أرضه وإصراره على ألا يفقد منها شبرا، هى سرود مشكلة للهوية الوطنية ومحددة لإرادة الجماهير ومحددة لمحتوى العقل الجمعى وسماته أو ما يحكمه من قيم. 
هذه السرود على خطورتها وأهميتها سواء ما يتصل منها بالدين أو الوطن صارت فى قبضة التكنولوجيا والوسائط الحديثة بكل ما يميزها من السرعة والقدرة على التغلغل والتدفق المهول نحو العقول فى كل المراحل العمرية وكل أنماط البشر، بل إنها أصبحت متسلحة بحيل كثيرة جدا وأنماط بلاغية ربما تكون خفية أو غير مدروسة وغير مباشرة وهى فى الوقت نفسه فعّالة جدا وتمارس سلطتها تأثيرها الخطير. 
إننا بتعبير مختصر جدا أصبحنا محاصرين بمنابع لانهائية من السرود والحكايات والقصص، وهو ليس عصر المعلومات فقط، ولو كان الأمر متوقفا عند حدود البيانات والمعلومات لكان هيّنا جدا ومحدود الخطورة، لكن الواقع أنها ليست مجرد منابع للبيانات والمعلومات، بل هى سرود وسرديات ومنصات بلاغية وهى متأرجحة بين الخير والشر فى تأثيرها وفقا لتصنيف معيارى قائم على المصالح الوطنية، بين سردية وسردية مضادة، سردية حق وسردية باطل، سردية خير وسردية شر، سردية إعمار وسردية تخريب، سردية بناء وسردية هدم وفوضى. 
من يطالع المحتوى المهول على صفحات التواصل الاجتماعى والذى كثير منه أصبح مولّدا بالذكاء الاصطناعى سيحس بهذه الحالة وسيدرك حدودها وسيكون قادرا على تخيل تأثيراتها، وهى حالة من الانفجار العفوى فى إنتاج السرود/السرديات وتلقيها وتفسيرها واستهلاكها أو التفاعل معها، وهذه العفوية فى منتهى الخطورة لأننا سنكتشف أن التلقى غير الواعى هو الذى يجعل بعض السرديات المضللة أو التخريبية ليس لها مصل مضاد أو لا يقابلها دواء أو نوع من التحصين المضاد الذى يمكن أن يزود الجماهير بما يقيهم من مخاطرها. 
هنا يتوجب علينا جميعا أن نسأل أين دور مؤسساتنا التقليدية فى هذه التغيرات وأمام تلك الظواهر الثقافية المستجدة وما هو موقفها البحثى والتنويرى وأين دورها فى إضاءة المجتمع وإضاءة الحالة الثقافية وتبصيرنا بأحوالنا وما يطرأ علينا من التغييرات التى قد يكون بعضها يمثل تهديدا؟ أين التجديد الذى يتوجب علينا فى مجال الدراسات الثقافية والأدبية وأين دراسات السرد وفق هذا المنزع الإدراكى والتكنولوجي؟ أين دراسات علم النفس الإدراكى وسيكولوجيا الجماهير وغيرها وغيرها من الدراسات والأبحاث؟ .