قضية ورأي

أكتوبر.. النصر والذاكرة والعبور

د. عادل مبروك
د. عادل مبروك


كان ذلك النصر صدمة عسكرية ونفسية وسياسية لإسرائيل، وبداية مرحلة جديدة فى الوعى العربى

لم تكن حرب أكتوبر 1973 مجرد معركة عسكرية عبر فيها الجيش المصرى قناة السويس، بل كانت حربًا لإعادة بناء الوعي، واسترداد الكرامة، واستنهاض الأمة من تحت رماد الهزيمة.

لقد كانت لحظة فاصلة فى تاريخ مصر والعرب، عندما قررت الإرادة أن تنتصر، والعقل أن يُخطط، والدم أن يُقدّس أرض الوطن.

بعد هزيمة يونيو 1967، عاش المصريون سنواتٍ صعبة، يختلط فيها الألم بالأمل، والإحباط بالعزيمة. ومع ذلك، لم يتراجع الإيمان بأن النصر قادم لا محالة. فى الجامعات والمدارس والمصانع، كان الشعب كله فى حالة استعداد نفسى ووجداني، وكانت القوات المسلحة تعيد بناء نفسها بصمت وثقة، حتى دقّت الساعة الثانية ظهر السادس من أكتوبر، فكان العبور الأعظم الذى حطم خط بارليف وأزال غبار الانكسار.

ذاكرة جيل.. وحلم وطن.

يتذكر جيل السبعينيات تلك السنوات بكل ما فيها من وجع وفخر، فقد كان شباب الجامعات يعيشون صراعًا بين تيارات فكرية متعددة: ناصرية ويسارية وإسلامية، وبينها تيارات مشككة فى إمكانية الحرب، لكن إرادة الله سبقت الجميع، وكان النصر على أيدى شباب آمنوا بوطنهم، وجيشٍ جسورٍ قاتل ببسالة نادرة.

لم يكن بيت فى مصر يخلو من جندى على الجبهة، أو أمٍّ تنتظر عودة ابنها، أو شابٍّ يترقب الأخبار بقلقٍ وفخرٍ فى آنٍ واحد، لقد كان الشعب كله جيشًا واحداً متكاتفاً، وكان الجيش تجسيدًا لإرادة هذا الشعب.

وبشهادة العدو قبل الصديق ولأن النصر الحقيقى يُقاس باعتراف الخصم، فقد شهدت الصحافة الإسرائيلية والعالمية على قوة المصريين وبطولتهم.
اعترفت جولدا مائير بأنها فكرت فى الانتحار بعد الصدمة، وقال حاييم هرتزوج الرئيس الإسرائيلى الأسبق:

«لقد تعلم المصريون كيف يقاتلون، بينما تعلمنا نحن كيف نتكلم».

أما صحيفة هآرتس فكتبت أن الجنود الإسرائيليين عرفوا لأول مرة طعم الحصار والخوف، بينما وصفت معاريف صفارات الإنذار فى السادس من أكتوبر بأنها كانت أشبه بـ»صرخة دفن للجمهورية الإسرائيلية الأولى».. وعلى الجانب الآخر، كتبت الصحف الغربية شهادتها هى الأخرى؛ فقالت واشنطن بوست إن «المصريين والسوريين أظهروا كفاءة عالية وتنظيمًا وشجاعة نادرة»، ووصفت نيويورك تايمز عبور المصريين بأنه «تحطيم لأسطورة أن العرب لا يقاتلون»، فيما أكدت ديلى تلجراف البريطانية أن تلك الحرب «غيّرت مجرى التاريخ فى الشرق الأوسط بأسره».

لقد كان ذلك النصر صدمة عسكرية ونفسية وسياسية لإسرائيل، وبداية مرحلة جديدة فى الوعى العربي.

وقد كانت رؤية الرئيس السادات رؤية تتجاوز الحرب، حيث قاد الرئيس أنور السادات المعركة بإيمان القائد الذى يرى أبعد من النصر العسكري، فلم تكن الحرب غايته الوحيدة، بل كان يدرك أن معركة السياسة لا تقل خطورة عن معركة السلاح. وبعد النصر، خاض معركة السلام، رافعًا راية مصر فى وجه العزلة والتآمر. ورغم ما تعرض له من ظلمٍ وتشويهٍ، أثبتت الأيام أن رؤيته كانت عبقرية استشرافية، وأن من سبقه أو لحقه لم يمتلك تلك الجرأة على تجاوز المألوف من أجل مستقبل وطنه.

قد يظن البعض أن الحروب تنتهى بتوقيع اتفاقيات، لكن مصر تخوض اليوم حربًا أخرى لا تقل شراسة فالحرب لم تنتهِ بعد، فالأعداء لم يعودوا يهاجمون بالسلاح فقط، بل بالإعلام المضلل والشائعات وتزييف الحقائق (حرب الوعى) ومع ذلك، تبقى مصر كما كانت تحارب من أجل البناء، وتنتصر بالعلم والإرادة والتماسك الوطني.. لقد عبر المصريون القناة بالأمس بالسلاح، ويعبرون اليوم تحديات التنمية بالعلم والعمل.

تحية لمن صنعوا المجد إلى كل جندى قاتل، وإلى كل شهيد قدّم روحه، وإلى كل أمٍّ حملت الصبر فى قلبها، تحية إجلال وتقدير.

إن أكتوبر لم تكن مجرد حرب، بل كانت حالة وعى ووجدان وخلود، وستظل ذكراها تتجدد فى كل عام لتذكرنا بأن هذا الوطن لا ينكسر، مصر لن تُضام وسينكسر عندها أى معتدٍ أو ظالم، فهى مقبرة الغزاة التى قال فيها الشاعر: سلامٌ على كِنانةِ اللهِ فى الأرضِ، ما بَقِيَ الزمانُ وما دامتِ القلوبُ تنبضُ بالإيمان، وقد دعا لها  سيدنا محمد عن أبى ذرٍّ رضى الله عنه قال :قال رسول الله : «إنكم ستفتحون أرضًا يُذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرًا؛ فإن لهم ذمّةً ورحمًا»، كما رُوى عنه  فى فضل جنودها قوله: «جنودها خير أجناد الأرض، لأنهم فى رباطٍ إلى يوم القيامة»، فسلامٌ على مصر وجنودها.