أخبرنى مساعده بأن الأستاذ يرفض مقابلتى! فقلت له أبلغه بأننى لن أخرج من المنزل إلا بعد لقائه. جاء أحمد رجب تعلو الابتسامة وجهه وهو يقول: «دى آخر مرة تعمل كده» .
المتحف المصرى الكبير
ينتظر العالم كله يوم الافتتاح العظيم للمتحف المصرى الكبير. مراسم الاحتفال سوف تدخل كل بيت فى كل مكان بالعالم الذى بات ينتظر هذا الحدث التاريخى، الذى سيسمح للملايين ولأول مرة مشاهدة أعظم وأجمل آثار لحضارة إنسانية استثنائية بكل المقاييس وهى حضارة مصر القديمة. ويكفى أن نعرف أن كنوز الملك توت عنخ آمون سوف تعرض كاملة لأول مرة فى المتحف الكبير، وذلك منذ الكشف عن المقبرة منذ أكثر من مئة سنة.
هذا ليس مجرد متحف بل هو مؤسسة ثقافية على مستوى راقٍ. وهنا أوجه الشكر للسيد الرئيس عبد الفتاح السيسى لأنه أشرف بنفسه على إتمام المشروع ومنح كل الدعم لبناء المتحف واكتماله، كى يؤدى رسالته الحضارية العظيمة على أكمل وجه، رغم التحديات والظروف الصعبة التى كانت تمر بها - ليس مصرنا الحبيبة - فقط بل منطقة الشرق الأوسط والعالم كله. وقد قامت مصر بصرف ما يقرب من مليار دولار لبناء المتحف. وكانت هذه رسالة مهمة جدًا من السيد الرئيس أن مصر تصون آثارها وتحمى هذا التراث.
ولا ننسى أن نقدم الشكر لفاروق حسنى وزير الثقافة الأسبق، لأن بناء المتحف كان فكرته، وكذلك اختيار المكان ووضع حجر الأساس والبدء فى الإنشاء.
لقد وصلتنى من الدكتور مصطفى مدبولى رئيس الوزراء دعوة لحضور الافتتاح، وأتوقع أن مصر سوف تقف على قمة العالم ثقافيًا بهذا الحدث التاريخى. لقد سافرت فى الأعوام الماضية إلى ما يقرب من 15 دولة أجنبية، وكان السؤال الوحيد من الجميع.. متى سوف يتم افتتاح المتحف الكبير؟ لذلك لابد أن نتوقع أن افتتاح المتحف سوف يدر الخير على مصر وعلى السياحة، ويجب أن نكون مستعدين لهذا اليوم.
خالد العنانى.. وزير ثقافة العالم
أول مرشح عربى يفوز بمنصب مدير «اليونسكو» منذ إنشائها عام 1945. ولم يحدث حتى الآن فى أى منصب دولى أن شاهدنا هذا الإجماع على اختيار مرشح مصرى، ليصبح بمثابة وزير الثقافة والتعليم والتراث بالعالم كله، حيث تضم اليونسكو الآن 194 دولة من دول العالم. ومن أهم أسباب النجاح هو أن الدولة أدارت هذا الملف باحترافية علمية على أعلى مستوى. وتم إعلان الترشيح منذ عامين ونصف العام ولذلك وجب توجيه الشكر إلى الوزير سامح شكرى لأنه هو الذى فكر فى الاختيار، وحصل على الموافقة من الرئيس السيسى الذى كان له الدور الأكبر فى دعم المرشح المصرى. وبعد ذلك تبنت وزارة الخارجية الملف. واستطاع صديقى الدكتور بدر عبد العاطى أن يجعل كل سفراء مصر فى 65 دولة يضعون خطة علمية مدروسة لدعم المرشح المصرى فى هذه الدول.
سافر العنانى إلى جميع الدول التى لها حق التصويت، وألقى 30 محاضرة. وخلال العامين والنصف الماضيين كان الدكتور خالد يتحدث معى يوميًا ليحيطنى علمًا بما يتم اتخاذه من خطوات فى سبيل الفوز بالمنصب، يسانده فريق من شباب المصريين على مستوى راقٍ من الكفاءة والخبرة بإدارة ملفات صعبة وشائكة. وبالفعل استطاع خالد العنانى باجتهاده ومثابرته تجاوز الكثير من العقبات والصعاب، وتمكن من إقناع الجميع بأنه قادر على تولى هذا المنصب. وهنا أود أن أوضح موضوعًا لا يعرفه الكثيرون، فقد قامت مجموعة من المصريين بتقديم خطاب أرسل إلى 149 دولة، للتحريض ضد ترشيح الدكتور العنانى. هنا لابد من التحرك بحكمة لمعرفة الدوافع ومعالجة الخلل، أملاً فى وقف هذا الحقد الذى يظهر من وقت لآخر ضد رموز مصرية لتصدير الإحباط. مبروك لمصر، وشكرًا سيادة الرئيس على هذا الدعم العظيم. مبروك هذا الفوز الساحق، حصول د.العنانى على ٥٥ صوتًا من أصل ٥٧ وهذا لم يحدث لأى مرشح دولى حتى الآن.
عندما خاصمنى أحمد رجب
لو تتبعنا العظماء فى بلاط صاحبة الجلالة، سوف نجد أن الأخبار قدمت كتابًا وصحفيين تكتب أسماؤهم بالنور وماء الذهب فى التاريخ المصرى الحديث. وقد سعدت جدًا بدعوتى للكتابة فى يوميات الأخبار، لأننى من قراء هذا الباب. كما أسعدنى حقًا أننى سوف أكتب عن صديقى العظيم الغائب الحاضر أحمد رجب.
تعرفت عليه بالمصادفة فى حفل بمزرعة الراحل الكريم إبراهيم عبد الحفيظ، وعندما دخلت الحفل وجدت أحمد رجب ينادى على اسمى، ومنذ ذلك الوقت أصبح من أقرب أصدقائى.
نتقابل على العشاء فى منزل السيدة جيهان السادات أو مع الأصدقاء المشتركين وعلى رأسهم عمر الشريف وأنيس منصور ومفيد فوزى؛ هؤلاء العمالقة كم أفتقدهم! كنا نخرج مع المخرجة المبدعة ساندرا نشأت التى اعتبرها مثل ابنته. اتفقنا دائمًا على أن نتكلم يوميًا بعد الظهر تليفونيًا. وحدث ذات مرة أن سافرتُ خارج البلاد دون أن أخبره سهوًا منى.
وعندما عدت رفض أن يرد على مكالماتى، ولم أجد أمامى غير أن أذهب إلى منزله، وفتح لى مساعده الباب ودخلت، بعدها أخبرنى مساعده بأن الأستاذ يرفض مقابلتى! فقلت له أبلغه بأننى لن أخرج من المنزل إلا بعد لقائه. جاء أحمد رجب تعلو الابتسامة وجهه وهو يقول: «دى آخر مرة تعمل كده». كان قلبه مثل قلب الطفل يحمل الحب لكل الناس. واستطعت خلال رحلة صداقتنا أن أعرف منه كواليس الصحافة.
قصص وحكايات هذا العبقرى لن تتكرر، وهناك رسائل دكتوراه كتبت عن عبقريته فى الاختزال. ولن أنسى نص كلمة التى وقف بها معى فى وقت أحداث 2011، فكان يقول لى تذكر أنك ستكون المنتصر دائمًا بما قدمته من عمل مخلص للبلد. وفعلًا حدث ما توقع. أحمد رجب هو الحكيم أيبور المصرى الأصيل، وهو عملاق الكلمة القصيرة التى لن تتكرر.
حضارة انطلقت من «كعبة الموت»!
حضارة مصر ليست 7000 سنة! لقد سمعت إحدى المذيعات تقول إن حضارة مصر تعود إلى 10٫000 عام، ورد عليها البعض وقالوا إنها 50 ألف عام. وهنا يجب أن أوضح أن حضارة مصر تعود إلى 5200، لأن الحضارة كما هو معروف بالنسبة للعلماء تحسب بمعرفة الكتابة، ولذلك تبدأ الحضارة مع أى دولة عندما يبدأ الإنسان بالكتابة.
وكان معروفًا منذ زمن قريب أن أقدم حضارة معروفة هى حضارة ما بين النهرين، أى حضارة العراق القديم، لأنهم عرفوا الكتابة قبل مصر بحوالى 200 عام. ولكن من خلال الحفائر التى قام بها عالم الآثار الألمانى الراحل جونتر دراير فى عرابة أبيدوس، أو كما تعرف بـ «العرابة المدفونة». يضم هذا الموقع مقابر ملوك الأسرة الأولى وآخر ملكين من الأسرة الثانية. وكان هؤلاء الملوك صعايدة من مدينة (ثنى) القديمة بجوار سوهاج، ولذلك دفنوا فى المنطقة المعروفة باسم «كعبة الموت»، وهى المنطقة الخاصة بالإله أوزوريس. وكان ملوك مصر الذين عاشوا خلال الدولة الحديثة فى منف وبر رعمسو عاصمة الرعامسة فى الدلتا، قبل أن يتم دفنهم فى طيبة، يقومون بزيارة للإله أوزوريس. لذلك اختار ملوك الأسرة الأولى الدفن هناك.
استطاع العالم الألمانى جونتر دراير الكشف عن أدلة تؤكد أن المصريين القدماء عرفوا الكتابة قبل العراق القديم فى حوالى ٣٢٠٠ قبل الميلاد. لا يمكن أن نعتبر عصور ما قبل التاريخ ضمن عمر الحضارة التى تقاس بمعرفة الكتابة، ولكنها بالطبع جزء أصيل من تاريخ مصر تمثل رحلة المصرى القديم نحو بناء الدولة المصرية الموحدة.
سرقات الآثار
عندما تتم سرقة لوحة أو أى أثر من المتاحف أو مناطق الآثار، نجد أن كل وسائل الإعلام تتحدث عن هذا الموضوع، ولا أحد يتحدث عن المشكلة وكيفية حلها. بلا شك يتقاضى الأثريون وجميع الفنيين فى المجلس الأعلى للآثار أقل مرتبات فى الدولة، لأن الوزارة بعد الثورة لم تهتم بترتيب وتوفيق أوضاعهم. لذلك ظلت مرتباتهم منخفضة عن أى موظف آخر، ويؤدون أعمالهم بكل أمانة وشرف، غيرة على تراث بلدهم وحبًا فيما يقومون به. ولكن هل يعقل أن يظل القائمون على حفظ وترميم هذا التراث على هذا الحال؟ لابد أن يكون هناك كادر خاص لكل العاملين بالمجلس الأعلى للآثار. الأمر مهم جداً لإنقاذ الأثريين والحفاظ عليهم. وأعتقد أن الرئيس عبد الفتاح السيسى هو الوحيد القادر على حل هذا الموضوع.
من أهم ما يمكن عمله ليس بناء المخازن فقط، بل تدريب العاملين المسئولين عن المخازن على التكنولوجيا الحديثة وترميم الآثار فى المخازن، وتزويد المخازن بكل ما يحتاجه الأثر، واعتبار المخزن متحفًا وليس مكانًا لتخزين الآثار. ويجب أن ينتهى عهد استعمال المقابر كمخازن، وبدء جرد المخازن القديمة. وينبغى أن تصبح الآثار مستقلة تمامًا وتكون بدون وزير داخل الوزارة ولكن تتبع رئاسة الوزراء. عندما توليت مسئولية الآثار قلت إننا يجب أن نرمم البشر قبل أن نرمم الحجر!.

السيد النجار يكتب: ومـاذا عن..؟
حكايات من دفاتر الآثار
أسرار جائزة مصطفى وعلى أمين







