سميحة شتا
بعد سقوط مشروع القرار الروسى الصينى بمجلس الأمن، والذى كان يهدف إلى تأجيل إعادة فرض العقوبات على إيران، ونجاح الدول الأوروبية فى تفعيل «الإعادة السريعة» المنصوص عليها فى اتفاق 2015 النووي، عادت طهران رسميًا إلى دائرة العقوبات الأممية، هذا المشهد يُعيد إلى الأذهان سنوات العُزلة الخانقة التى سبقت اتفاق 2015، لكنه يأتى اليوم فى بيئة داخلية ودولية أكثر تعقيدًا، مما يجعل إيران أمام مفترق طرق حاسم، إما الذهاب نحو المواجهة حتى النهاية، أو البحث عن تسوية مؤقتة تحفظ للنظام بعض المكاسب.
اقرأ أيضًا| تقارير غربية تتوقع اشتعال صراع أكثر دموية بين إيران وإسرائيل بنهاية العام
مع إعادة فرض العقوبات الدولية، تجد إيران نفسها أمام اختبار تاريخى فى لحظة تحمل مؤشرات لتحولات عميقة داخليًا وخارجيًا. فعودة العقوبات لا تعنى مجرد تضييق اقتصادى جديد، بل تضع الجمهورية الإسلامية أمام تحدٍ مصيرى يحدد مستقبلها السياسى والاجتماعي، وبينما تواصل القيادة، خطاب «الصمود والمقاومة»، تتصاعد الضغوط الداخلية والخارجية التى قد تفرض على طهران إعادة النظر فى حساباتها.
دخلت العقوبات حيز التنفيذ مُجددًا، اعتبارًا من الأحد 28 سبتمبر 2025، وتشمل تجميد الأصول الخارجية لإيران، ووقف التعاملات التسليحية معها، وفرض قيود على تطوير برنامجها للصواريخ الباليستية.
الأخطر فى هذه المرحلة، احتمال إدراج الملف الإيرانى تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وهو ما يعنى أن مجلس الأمن سيعتبر الدولة الإيرانية تهديدًا للسلم والأمن الدوليين، ويُخَوِّل له فرض عقوبات إلزامية، بل وحتى السماح باستخدام القوة العسكرية ضدها، ورغم أن مثل هذه الخطوة قد لا تقود مباشرة إلى حرب شاملة، فإنها قد تشجع أطرافًا معادية لإيران على شن هجمات عسكرية محدودة.
اقرأ أيضًا| وزير الخارجية الفرنسي: فرصة التفاوض مع إيران لا تزال قائمة
فى المقابل، تراهن طهران على شراكاتها مع روسيا والصين لموازنة الضغوط الغربية، مستندة إلى خطاب قومى يدمج بين «الدفاع عن الكرامة الوطنية» و«الحق فى امتلاك التكنولوجيا النووية»، بينما ترى أوروبا والولايات المتحدة، فى العقوبات وسيلة للضغط على طهران للعودة إلى طاولة المفاوضات وفق شروط جديدة أكثر صرامة. وعلى المستوى الإقليمي، تخشى دول الخليج من أن تدفع الأزمة الاقتصادية إيران نحو تصعيد عسكرى فى مضيق هرمز أو عبر وكلائها بالمنطقة.
وبحسب صحيفة «الاندبندنت» فإن المجتمع الإيرانى يُعد مجتمعًا فريدًا مقارنةً بجيرانه، فهو يختلف عن الغرب ثقافيًا ولغويًا وسياسيًا ودينيًا، ويختلف أيضًا عن بقية مجتمعات الشرق الأوسط رغم بعض الروابط الدينية والثقافية مع العرب وشعوب المنطقة، هذا التمايز، تُعَزِّزه الجغرافيا السياسية لإيران، وأسهم فى نشوء نظام سياسى فريد يُعرف بـ «نظام ولاية الفقيه المُطلقة» وفق الدستور الإيراني.
وتضيف «الاندبندنت»، أن بعض القوميات مثل الأتراك الأذريين مازالت تُعَلِّق آمالًا على الرئيس مسعود بزشكيان المنتمى إليهم، فى حين تتخذ قوميات أخرى كالأكراد والبلوش، مواقف مُعادية للسلطة المركزية، أما الفرس أنفسهم فهم منقسمون سياسيًا، ورغم نضج المجتمع الإيرانى مقارنة بمرحلة ثورتى الدستور (1906) والثورة الإسلامية (1979)، إلا أن غياب التوافق بين القوميات والفئات الاجتماعية والممثلين السياسيين، كان أحد أسباب فشل انتفاضة مهسا أمينى رغم زخمها الثوري.
اقرأ أيضًا| ماذا فعل ضباط الجيش الإسرائيلي في البنتاجون خلال حرب الـ12 يومًا مع إيران؟
أما النظام الإيراني، فيعتبر أن المطالب الأمريكية ـ بوقف التخصيب النووي، ونقل اليورانيوم المُخَصَّب إلى الخارج، وتقييد قدراته الصاروخية، ووقف دعمه لوكلائه الإقليميين ـ تمثل استهدافًا لاستراتيجيته القائمة على «الاقتدار الإقليمي»، ولهذا يُفَضِّل تحمل العقوبات على أن يُخدش موقعه الإقليمي، ويرى النظام فيما يحدث، سيناريو مُشابهًا للحالة الليبية، حيث لم تحمِ التنازلات النووية، نظام القذافى من السقوط تحت القصف الغربي.
تصريحات بعض المسئولين الإيرانيين حول احتمال التوجه نحو التسلح النووي، والإشارة إلى إنتاج قنبلة نووية، تفتح الباب أمام هذا الخيار كوسيلة للرد على الضغوط الأمريكية، أو فى حال اندلاع صدام عسكرى مع إسرائيل، وعلى الجانب الآخر، فإن غياب التجاوب الشعبى مع دعوات إسرائيلية للخروج ضد النظام، واقتناع القيادة بأن الإيرانيين اعتادوا على العقوبات، شَجَّع الحكومة على التشدد، لكن هذا التصور قد يكون محفوفًا بالمخاطر، إذ قد تفضى الضغوط الغربية والإسرائيلية إلى انفجار داخلى يهدد بقاء النظام.
على الجانب الآخر، تُتابع قوى المعارضة، داخل البلاد وخارجها، التطورات بعين مترقبة، فالعقوبات تمنحها فرصة لتقوية خطابها وإبراز فشل النظام فى إدارة الملفات الكبرى، لكنها تُواجه فى المقابل قيودًا أمنية مشددة، ويرى مراقبون أن أى توسع فى دائرة الاحتجاجات الشعبية قد يمنح المعارضة مساحة أوسع للتحرك، لكن نجاحها فى تحويل الغضب الشعبى إلى بديل سياسى لا يزال موضع شك بسبب غياب قيادة موحدة.
اقتصاديًا، تدخل إيران، مرحلة تُعد الأصعب منذ سنوات، فالعقوبات الجديدة تستهدف النفط، وهو عصب الاقتصاد، وتضع قيودًا صارمة على التعاملات المصرفية والتجارية، ويهدد هذا الوضع بمزيد من انهيار العملة المحلية، وارتفاع معدلات التضخم التى ترهق حياة المواطنين، كما أن انسحاب الاستثمارات الأجنبية وخروج الشركات الدولية سيزيدان أزمة البطالة، ما قد يدفع الحكومة إلى سياسات تقشفية قاسية تزيد من الاحتقان الشعبي.
اقرأ أيضًا| روسيا تعلن "عدم اعترافها" بإعادة فرض العقوبات على إيران
ووفق تقرير لشبكة «دويتشه فيله»، فإن العقوبات تشمل أيضًا منع بيع السلاح لإيران، وحظر شراء الطائرات والمُعدات المرتبطة بالطاقة النووية والصاروخية، إضافة إلى تجميد أصول بعض الكيانات الإيرانية بالخارج، ويؤكد التقرير أن إعادة هذه الإجراءات لن تقيد فقط برنامج طهران النووي، بل ستُعَقّد علاقاتها التجارية مع دول تخشى الوقوع تحت طائلة العقوبات الثانوية الأمريكية والأوروبية.
وتجد إيران نفسها اليوم أمام جملة من السيناريوهات، المُضى فى التشدد والمواجهة بكل ما يحمله من أثمان باهظة، أو العودة إلى المفاوضات بحثًا عن تسوية تخفف وطأة العقوبات؛ أو مواجهة انفجار داخلى إذا فشلت فى استيعاب الغضب الشعبي.
انقسام إسرائيلى حاد بشأن لبنان ونتنياهو تحت ضغط شعبى متصاعد
«هزيمة نادرة»| الكونجرس الأمريكى يضيق الخناق على ترامب
المنطقة فوق برميل بارود| خامنئى: لن نتراجع.. وترامب يحذر من تجاوز الخطوط الحمراء







