كيف يمكن أن يؤثر إغلاق الحكومة الأمريكية على السياسة الخارجية لواشنطن؟

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية


بعدما دخلت الحكومة الفيدرالية في حالة شلل إداري هي الأولى من نوعها منذ سبع سنوات، عقب فشل الديمقراطيون والجمهوريون في التوصل إلى اتفاق حول ميزانية الإنفاق، تتركز الأنظار عادة على التداعيات الداخلية لمثل هذا الإغلاق.

فإن انعكاساته الخارجية قد تكون أكثر خطورة، إذ تمس مباشرة قدرة واشنطن على إدارة ملفاتها الأمنية والدبلوماسية، في وقت يشهد فيه العالم توترات جيوسياسية متصاعدة.

بدايةً من تأخر الرحلات الجوية وإغلاق المتنزهات الوطنية إلى تسريح آلاف العاملين في وزارتي الدفاع والخارجية بالولايات المتحدة، تمتد آثار هذا التوقف لتُثير قلق الحلفاء وتفتح شهية الخصوم على استغلال لحظة الارتباك هذه.

اقرأ أيضًا| فيديو| «من المسؤول؟».. معركة علنية حول أسباب إغلاق الحكومة الأمريكية 


شلل داخلي واسع وتأثير فوري على الخدمات

أُغلقت الحكومة الفيدرالية الأمريكية رسميًا يوم الأربعاء الماضي، بعد تعثّر المشرعين في تمرير قانون الإنفاق، وهو ما أدى إلى توقف العديد من الخدمات الحيوية وتعليق عمل مئات الآلاف من الموظفين الفيدراليين.

من أبرز التأثيرات الفورية: تأجيل صدور تقرير الوظائف الشهري، وتراجع عدد العاملين في المتنزهات الوطنية إلى الحد الأدنى، ما سيؤثر على الخدمات السياحية والأمنية داخلها.

كما يُتوقع حدوث اضطرابات في حركة الطيران الأمريكي إذا قرر موظفو المراقبة الجوية غير المدفوعي الأجر الامتناع عن الحضور.

أما في مراكز الأبحاث الصحية الوطنية، فسيؤدي تسريح العاملين إلى تعطيل مشاريع الأبحاث الأساسية ومراقبة الأمراض، ما يهدد بتأخير الاستجابة للأزمات الصحية المحتملة.


القطاعات الأمنية والدبلوماسية تحت الضغط

رغم استثناء وظائف الأمن القومي من الإغلاق، فإن وزارتي الدفاع والخارجية بالولايات المتحدة تواجهان تقليصات حادة في القوى العاملة المدنية.

حيث أعلن البنتاجون الأمريكي تسريح نحو 334,904 موظفين مدنيين، أي ما يقارب نصف قوته العاملة، مع استمرار أكثر من مليوني جندي في الخدمة الفعلية دون أجر، على أن تُصرف الرواتب المتأخرة لاحقًا بعد موافقة الكونجرس الأمريكي.

أما وزارة الخارجية الأمريكية، فأكدت أنها ستُسرّح أكثر من ثلث موظفيها المعينين مباشرة، أي نحو 10,436 شخصًا، مما سيؤثر على شبكة العمل الدبلوماسي في الخارج.


الأولويات العسكرية

حددت وزارة الدفاع الأمريكية، ستة مجالات استراتيجية ستواصل العمل فيها رغم الأزمة، وهي: أمن الحدود، وعمليات الشرق الأوسط، وصيانة المستودعات، وبناء السفن، والذخائر الحيوية، ومشروع الدفاع الصاروخي المعروف بـ"القبة الذهبية لأمريكا" الذي أطلقه الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب.

لكن في المقابل، سيتم تعليق بعض عمليات جمع المعلومات الاستخباراتية غير العسكرية، خاصة السياسية منها، ما قد يضعف قدرة واشنطن على المتابعة الدقيقة للتحركات الدولية في هذه الفترة الحساسة.


تحذيرات من ارتباك استراتيجي وتباطؤ مؤسسي

شارك مسؤول أمريكي سابق في الأمن القومي، في إدارة فترتي إغلاق خلال عهد ترامب، حذّر من أن توقف التدريبات العسكرية المشتركة مع الحلفاء أو تعطيل برامج التسليح يمكن أن يخلق "احتكاكات بيروقراطية" تجعل إنجاز المهام داخل وزارة الدفاع الأمريكية أكثر تعقيدًا.

وقال: "في ظل المنافسة الجيوسياسية المتسارعة، لا يمكن أن نتحمل أي تباطؤ في جاهزيتنا العسكرية أو دبلوماسيتنا".


الخصوم يراقبون

بحسب نيد برايس، المتحدث السابق باسم الخارجية الأمريكية، فإن إغلاق الحكومة الأمريكية، يمنح خصوم واشنطن فرصة ذهبية لتقويض صورتها أمام العالم.

وأوضح أن أنظمة مثل الصين أو روسيا لا تعاني من مثل هذه الانقطاعات، وهو ما يمكن استغلاله لتصوير الولايات المتحدة على أنها "قوة غير مستقرة لا يعتمد عليها الحلفاء".

وأضاف: "إذا لم نستطع حتى إبقاء الأنوار مضاءة في مكاتبنا، فكيف سيعتمد العالم علينا؟".

اقرأ أيضًا| كل عام أزمة.. لماذا يتكرر شبح الإغلاق الفيدرالي في أمريكا؟


تراجع المعنويات داخل الجهاز الفيدرالي

أشار برايس، الذي عمل محللاً في الـCIA (وكالة المخابرات المركزية الأمريكية) خلال إغلاق الحكومة الأمريكية في 2013، إلى أن إجبار الموظفين على العمل دون راتب يؤدي إلى تآكل المعنويات وتراجع الإنتاجية، خاصة في الأجهزة الحساسة مثل جهاز الأمن القومي الأمريكي.

وقال إن هذه الحالة لا تخلق فقط إحباطًا لحظيًا، بل تُراكم آثارًا سلبية على المدى الطويل، مع احتمال مغادرة مزيد من الكفاءات للجهاز الحكومي الأمريكي في ظل التهديدات المستمرة بالتسريح.


ثغرات أمنية محتملة واستقطاب استخباراتي

حذّر برايس، من أن هذه الظروف قد تشكّل أرضًا خصبة لأجهزة الاستخبارات الأجنبية لاستهداف موظفين ساخطين أو محبطين، مستشهدًا بحوادث سابقة.

ورغم تأكيده أن احتمالات الانشقاقات الواسعة تبقى محدودة، إلا أن مجرد حدوث حالة واحدة يمكن أن تُلحق ضررًا جسيمًا بالأمن القومي الأمريكي.


كيف يتأثر الحلفاء بإغلاق الحكومة الأمريكية؟

أكدت وثائق البنتاجون الأمريكي، أن جميع زيارات الوفود الأجنبية غير الحيوية سيتم تأجيلها أو إلغاؤها، كما روت مصادر أوروبية أن زيارات دبلوماسية كانت مقررة لواشنطن خلال الأسابيع المقبلة تواجه تأجيلات غير محددة.

وقال دبلوماسي أوروبي ـــ حسبما أفادت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية ـــ إنهم أُبلغوا بتجميد الاجتماعات حتى إشعار آخر، مع تعليق عمل المنسقين الأمريكيين المسؤولين عن ترتيبها، وهذا التأجيل يُضعف التنسيق العملياتي ويبعث برسائل مقلقة للشركاء.

حيث يمتد إغلاق الحكومة الأمريكية ليضرب في عمق السياسة الخارجية، فيُضعف جاهزية واشنطن العسكرية ــ بحسب المجلة ذاتها ــ ويؤثر على علاقاتها الدبلوماسية، ويمنح خصومها فرصة لتقويض صورتها كقوة عظمى يمكن الاعتماد عليها.

اقرأ أيضًا| فيديو| رسائل غير مباشرة.. ماذا قال ترامب للجيش الأمريكي في خطابه الأخير؟