أما بعد

الانتصار على فيضان «سد النهضة»

أحمد باشا
أحمد باشا


لم تنتظر مصر أن تفاجئها مياه النيل بتقلبات الطبيعة أو بمغامرات السياسة الإثيوبية؛ بل قرأت مبكرًا المشهد، وأعدَّت نفسها بملحمة وطنية تُدرَّس فى فنون الإدارة المائية، وبينما تحاصر الشقيقة السودان، اليوم، موجات الفيضان، تقف القاهرة واثقة، تستوعب كل قطرة فائضة دون أن تُهدر نقطة أو تُصاب بارتباك.

لقد أيقنت الدولة أن الأمن المائى هو قلب الأمن القومي، وأن بقاء مصر فى معركة القرن الحادى والعشرين لا يُدار بالانفعال، بل بالتخطيط العلمى والإرادة السياسية، فكان أن تحرّكت الدولة بمشروع مائى شامل:

■ أعادت مفيض توشكى إلى قلب المعادلة ليصبح خزانًا طبيعيًا يستوعب الفوائض ويمنع الغرق.

■ أطلقت أكبر عملية تبطين للترع فى تاريخ مصر، لتقليل الفواقد ورفع كفاءة الري، بما يوازى بناء شبكة شرايين جديدة للنيل.

■ تَوسَّعت فى مشروعات الاستصلاح العملاقة، فخلقت «دلتا جديدة» غرب النيل، جسدت حلمًا استراتيجيًا، من أرض زراعية بِكر، ومخزون مائى مُدار بعقلانية، ورافعة جديدة للأمن الغذائي.

إنها منظومة متكاملة لم تترك شيئًا للمصادفة؛ كل قطرة تَحَوَّلت إلى قيمة، وكل فائض حُوِّل إلى فرصة، لم تكن المسألة رفاهية هندسية، بل ملحمة وجودية أثبتت أن مصر لا تنتظر ما يقرره الآخرون، بل تكتب سيناريو بقائها بيديها.

اليوم، ومع اكتمال سد النهضة وتشغيله الأحادي، تقف مصر على أرض صلبة؛ لا ترتبك بموجات التصريف، ولا تنكسر أمام المناورات، فالدولة التى أعادت تعريف علاقتها بالماء، وحَوَّلت النهر من مصدر قلق إلى مصدر إبداع، باتت قادرة على مواجهة أصعب السيناريوهات.

إن التجربة المصرية ليست مجرد سياسات رى، بل درس حضارى فى كيفية تحويل الخطر إلى فرصة، وكيف يصنع العلم والإرادة معًا، صمام أمان لشعب بأكمله، وهكذا تظل مصر، التى عرفت معنى النيل منذ آلاف السنين، وفية لوصيتها الأبدية: «لن نُضيِّع قطرة.. ولن نُهدر فرصة».