الرحيل مؤلم فى كل الأحوال، لكن جرعة الوجع تصل ذروتها عندما يكون الفقيد صاحب شخصية استثنائية، يتفق الجميع دون مبالغة على حبه. ابتسامته لم تفارق وجهه منذ عرفتُه قبل ثلاثين عامًا، حيث تزاملنا بكلية الإعلام فى دبلومة للصحافة، ثم زاد قربنا عندما انضممتُ إلى كتيبة صحفيى الأخبار، مما جعل لقاءاتنا يومية، لا نفترق إلا فى أيام العطلات.

فى التأبين نذكر عادة محاسن موتانا وننسى أخطاءهم، غير أن الأمر مختلف فى حالة «خالد حجاج»، فعلى مدى أعوام طويلة لم يخطئ فى حق أحد، حتى كلمات الحق التى يُنصف بها طرفا على آخر فى أية مشكلة، كانت تخرج منه مغلّفة بمحبة شفافة تنساب إلى قلب المخطئ، فلا يشعر بالضيق من لومه، بل يرضخ لحُكمه العادل.
فى الشهور الأخيرة فقط، غابت ابتسامته لساعات، بعدما أكد تشخيص الأطباء أنه وقع فى مصيدة المرض الخبيث، لكن الابتسامة عادت بسرعة، لأنه ظل مؤمنًا دائمًا بقضاء الله، واحتفظ بهدوئه لدرجة أن القريبين جدًا منه لم يعرفوا شيئًا عن مرضه، إلا بعد انهياره المفاجئ ودخوله المستشفى، ورغم ذلك حافظ على قوته، وعندما هاتفته قبل أسبوع جاءنى صوته مليئًا بالبهجة، لشعوره بأنه استعاد قواه. قال ضاحكًا إنه سيأتى للعمل بعد يومين، وبالفعل استعد لذلك فى اليوم المُحدد، غير أن تأثير جلسات «الكيماوى» المتعاقبة هاجمه فجأة، فانتقل إلى المستشفى بدلًا من أن نحتفى بعودته إلى الجريدة.. وقبل يومين بدا صوته منهكًا فى مكالمة أخرى، فتمنيتُ ألا يكون ذلك هاتف المغيب، وللأسف لم تتحقق أمنيتى.
الحديث عن «خالد حجاج» رحمه الله مُرهق للوجدان، لأن حضوره كان طاغيًا رغم هدوئه، مما يضاعف الإحساس بالفقد، كما أن مثاليته تزيد مساحة الوجع فى قلوبنا، تلك المثالية التى قد يعتبرها من لا يعرفونه مبالغة، مثلما يحدث عادة فى وداع الراحلين، لكن المؤكد أن كلماتنا أقل بكثير مما يستحق، فقد كان بالفعل أبيض القلب، فى زمنٍ مزدحم بالشخصيات الرمادية.

نوال مصطفى تكتب : صباح الأحد
أنباء متفائلة.. ولكن
قلة أدب وسوء تربية!






