لم يقل أحدٌ إن غاندى كان أديبًا، ولم يقل هو نفسه ذلك، لكن حياته كانت أدبًا عظيمًا إذا فهمنا أن العظمة الإنسانية هى الموضوع الأول للأدب، وبرهان ذلك أننا نستطيع أن نؤلف قصة رائعة أو قصيدة مؤثرة عن حياته، يكون هو بطلها الذى يقتحم الأفكار ويبنى الإنسانية، ويلهم الأمم ويخلق من الضعف قوة تحطم الاستعمار.
كانت حياة غاندى أدبًا وفلسفة، وكذلك ألبيرت شفيتزر الذى مُنح جائزة نوبل، والإنسانيون العظماء صنفان: صنفٌ يحيا حياة الداعية المكافح الذى يحاول تغيير المجتمع، عندما يكتب ويؤلف ويعمل ويغير، والأنبياء من هذا الصنف، وهناك إنسانيون من غير الأنبياء يحاولون تغيير المجتمع؛ مثل ماركس، وجاك روسو، وأفلاطون، وصنفٌ آخر يحيى حياة القديسين، كل منهم مثال وقدوة لهذا الخير، ليس لتغيير المجتمع، أو إذا كان لهم ذلك، فهو يتضاءل خلف حياتهم العظيمة، ومنهم تولستوى، وجيته، وإخناتون، وحين أذكر تولستوى أكاد أنسى أنه كان له برنامج اجتماعى يحاول به تغيير معايش الناس، وأذكره وهو خلف المحراث يحاول أن يكون فلاحًا يتعب ويعرق مثل الفلاحين، وأذكره وهو يحاول أن يتقشف فى شهواته، وأنا أحبه فى كل هذه المجهودات الإنسانية وأحبه لقصصه الخالدة.
وتروعنى حياة «جيته» أكثر مما تروعنى مؤلفاته، جاء للدنيا وبنى شخصيته بالحب، والعلم، والأدب، والثقافة، والسياسة، وكذلك «إخناتون» أحبه لشيء واحد هو أنه كان «الشخصية» الأولى فى التاريخ البشرى الذى رفض الإيمان بتعدد الآلهة، وآمن بإله واحد، ورفض الخضوع للتقاليد والعادات، وفكر وجابه وأعلن وجهر ولم يبال الكهنة، والخاصة أو العامة.
وكذلك الشأن فى «ألبيرت شفيتزر»، فحياته هى موضع إعجابى، لأنه اختار الحياة التى شاء أن يحياها، وهذه كلمات تبدو تافهة، ولكن على القارئ أن يتأمل حياته وحياة غيره من الناس، فإنه عندئذ وجد أنهم لا يختارون حياتهم، وإنما يختارها لهم المجتمع الذى ينصب لهم الهدف، وعليهم أن يبلغوه.
لكن «شفيتزر» رفض أن يحيى الحياة الأوروبية الناعمة المتمدنة، وفضل أن يحيى فوق المنصة التى بلغها حين صار دكتورًا فى الغيبيات الدينية، وفى الموسيقى يكسب الكثير من المال ويجد الكثير من الاحترام، رفض ذلك كله، والتحق بكلية الطب فى جامعة باريس عندما كان سنُّه فى الرابعة والثلاثين، ودرس هذه الحرفة الإنسانية بغية أن يتسلح بها، ويقصد إلى إفريقيا كى يشفى جراح الزنوج المتقيحة، التى أنزلها الاستعمار الأوروبى، عاش حياته كما أراد، وهو شخصية عالية يجب على كل مثقف أن يعرفها، فقد أحب المسيحية وعمل بمبادئها، ولكنه كره غيبياتها، وأحب الدنيا والخير، والإنسان والحيوان، وتعمق فى الثقافة البشرية، وعرف ظلامها ونورها، وآمن بالإنسان وبالحب، وهو حين أنشأ مستشفى للزنوج، كان أعقل من تولستوى حين وقف خلف المحراث يسوق الماشية، ولكنْ كلاهما كان بعيدًا عن أن يضع برنامجًا للمجتمع يغيره ويصلحه؛ إذ كان يقنع بمجهوده الشخصى، وهو لذلك قدوة عظيمة لكل منا يجب أن ينبهنا حتى لا يغفو ضميرنا ونستسلم للنوم.
إننا نعاصر، أو قد عاصرنا، أدباء حياة فى أشخاص كثيرين من الرجال والنساء قبل ألبيرت شيفتزر، ومدام كورى، وبرنارد شو، وسارتر، وغاندى، ونهرو، فهم أدبنا الحى الذى يروح ويغدو ويعلم ويهذب.
من كتاب «مقالات ممنوعة»

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







