بدأ رئيس كوريا الجنوبية، لي جاي ميونج ولايته مُحاطًا بالفوضى التي خلّفها سلفه المعزول يون سوك يول.
لكن بعد مئة يوم فقط من رئاسته، تمكن لي، من قلب المعادلة بإجراءات جريئة، واضعًا خطة شاملة تهدف إلى إعادة بناء اقتصاد كوريا الجنوبية وتعزيز مكانته الجيوسياسية، وسلطت مجلة «تايم» الأمريكية الضوء على ملامح هذه الخطة، التي تجمع بين إصلاحات داخلية عاجلة، واستراتيجيات خارجية دقيقة، في وقتٍ تواجه فيه البلاد أزمة اقتصادية خانقة وضغوطًا دولية متشابكة.
اقرأ أيضًا| رسائل مبطنة.. رئيس كوريا الجنوبية يستعين بكتاب ترامب خوفًا من «لحظة زيلينسكي»
إرث الفوضى وسقوط سلفه
أفاد لي في حديثه لمجلة «تايم»، أن بداية ولايته اتسمت بـ"النشاط والفوضى"، إذ فوجئ فريقه بعدم جاهزية مقرات العمل، وهو ما ربطه بحالة الاضطراب السياسي التي عاشتها البلاد عقب إعلان سلفه يون الأحكام العرفية أواخر العام الماضي، وذلك القرار قاد كوريا الجنوبية إلى شلل سياسي استمر ستة أشهر، وانتهى بعزل يون وإجراء انتخابات مبكرة أفرزت فوز لي جاي ميونج.
كشف التقرير أن لي، تحرك سريعًا لفرض إصلاحات ملموسة، أبرزها وضع سقف صارم لقروض الرهن العقاري بقيمة 600 مليون وون (أي 430 ألف دولار) بهدف تهدئة سوق الإسكان، إلى جانب إصدار قانون عمل جديد يحمي العمال المضربين، كما وُزعت قسائم نقدية بقيمة 10 مليارات دولار على المواطنين لدعم الطلب المحلي وإنعاش الأعمال الصغيرة، واعتبر لي أن "استقرار الوضع الداخلي" أحد إنجازاته الكبرى حتى الآن.
تحديات التجارة مع واشنطن
أوضحت المجلة الأمريكية، أن الأزمة السياسية السابقة أخّرت سيول عن سباق التفاوض التجاري مع إدارة ترامب.
فبينما صدّرت كوريا الجنوبية سيارات بقيمة 34.7 مليار دولار للولايات المتحدة العام الماضي، فرضت واشنطن رسومًا 25% أثرت سلبًا على القطاع، وفي يوليو، نجح لي في التفاوض على خفض الرسوم الجمركية إلى 15% مقابل تعهدات باستثمارات كورية بقيمة 350 مليار دولار داخل أمريكا، في خطوة وُصفت بالمحورية لإنعاش الاقتصاد الكوري.
أفادت «تايم»، أن خطة رئيس كوريا الجنوبية الحالي، تركز على بناء "اقتصاد ابتكاري فائق"، عبر زيادة الإنفاق على العلوم والتكنولوجيا بنسبة 20%، وتستثمر حكومته 71.5 مليار دولار خلال خمس سنوات لتحويل كوريا الجنوبية إلى ثالث قوة عالمية في الذكاء الاصطناعي، وفي هذا السياق، وقّعت شركة «تيسلا» صفقة 16.5 مليار دولار لإنتاج رقاقات ذكاء اصطناعي في مصانع «سامسونج» الجديدة بتكساس.
دبلوماسية الجسور بين الشرق والغرب
بحسب التقرير، يسعى رئيس كوريا الجنوبية، إلى تعزيز موقع كوريا الجنوبية كـ"جسر بين الشرق والغرب".
فقد زار طوكيو بعد واشنطن مباشرة، معلنًا عن أول بيان مشترك مع اليابان منذ 17 عامًا، ورغم تقليد حزبه الديمقراطي التقدمي بالميل إلى الصين والنفور من اليابان، أكد لي، أنه يريد شراكات متوازنة تُبقي بلاده لاعبًا محوريًا في آسيا.
علاقات متوترة بين واشنطن وبكين
أشارت «تايم» إلى أن كوريا الجنوبية، رغم تقدمها التكنولوجي، تعاني من أدنى معدل مواليد بين الدول المتقدمة، وأعلى نسب بطالة للشباب وانتحار، ووصف لي، الوضع بأنه "أزمة خطيرة للغاية"، مشددًا على ضرورة إعادة الاقتصاد الكوري الجنوبي، إلى مسار النمو وتوسيع الفرص أمام المواطنين.
وأكد لي، أن بلاده ستظل شريكًا للولايات المتحدة في النظام العالمي الجديد، مع ضرورة تجنب استفزاز الصين، ذلك الموقف المعقد برز خلال اعتقال 300 عامل كوري في مصنع هيونداي ـ إل جي بولاية جورجيا الأمريكية، ما دفع سيول للتعبير عن "القلق والأسف"، بينما يرى مراقبون أن لي يوازن بين الولاء لواشنطن وتفادي تحوّل بلاده إلى ساحة مواجهة بين القوى العظمى.
اقرأ أيضًا| «بسبب أزمة هجرة مفاجئة».. واشنطن تخاطر بعلاقتها مع حليف آسيوي رئيسي
ماضي لي ونشأته.. وهبوط وصعود شعبيته
استعرضت مجلة «تايم» مسيرة رئيس كوريا الجنوبية الجديد، الذي لم يحصل على تعليم ثانوي تقليدي، لكنه نجح في اجتياز امتحان نقابة المحامين والتحول إلى محامٍ بارز في قضايا حقوق الإنسان، قبل أن يدخل السياسة ويتدرج من عمدة سيونجنام إلى حاكم جيونجي، وبعد خسارته الانتخابات الرئاسية في كوريا الجنوبية بفارق ضئيل عام 2022، عاد بقوة ليفوز في اقتراع 2025.
اقرأ أيضًا| كوريا الجنوبية على فوهة الانقسام.. من يقودها في مواجهة واشنطن وبيونج يانج؟
ورغم طموحه لتحويل بلاده إلى قوة كبرى في الذكاء الاصطناعي، يواجه لي تحديات هائلة أبرزها الدين العام البالغ 930 مليار دولار وضعف شبكة الكهرباء الوطنية، التي قد لا تتحمل خططه لتشغيل مئات الآلاف من وحدات معالجة الذكاء الاصطناعي.
أظهر التقرير أن نسبة تأييد رئيس كوريا الجنوبية، لي جاي ميونج، تراجعت من 63% في يوليو إلى 51% في أغسطس، قبل أن تعود للارتفاع بعد نجاحه في تحسين العلاقات مع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، حيث لعب على وتر الإطراءات والهدايا الرمزية، إلى جانب التزامات استثمارية إضافية بنصف تريليون دولار داخل أمريكا.
الملف الكوري الشمالي.. دبلوماسية محفوفة بالمخاطر
لفتت المجلة، إلى أن لي، يحاول إحياء قنوات التواصل مع زعيم كوريا الشمالية، كيم جونج أون بدعم من ترامب، عبر مقترح تدريجي لنزع السلاح النووي مقابل رفع جزئي للعقوبات. لكن مراقبين شككوا في جدوى ذلك، خاصة مع تمسك بيونج يانج بترسانتها النووية ودعمها العسكري لموسكو في الحرب الروسية الأوكرانية.
وخلصت «تايم»، إلى أن رئيس كوريا الشمالية، يستخدم مزيجًا من الإصلاح الداخلي، والابتكار التكنولوجي، والتحالفات المرنة لتثبيت كوريا الجنوبية في موقع استراتيجي وسط التوترات العالمية، وبينما يُواجه تحديات جسيمة في الداخل والخارج، يراهن على «إرادة الشعب الكوري التي لا تُقهر» ــ حسب وصفه ــ مُؤكدًا أن بلاده قادرة على تجاوز العقبات واستعادة دورها كقوة رائدة في آسيا والعالم أجمع.




وزير الخارجية يلتقي مجلس الأعمال المصري الياباني
«اتفاق إيران» حائر بين تأكيدات ترامب ونفي طهران
بعد اتفاق إسرائيل ولبنان على وقف إطلاق النار.. تطورات الوضع «الأمريكي - الإيراني»







