«مجدى قناوى».. رحيل فى حضرة الميثولوجيا

«تكوين» للفنان مجدى قناوى - ألوان مائية وورق ذهب على ورق  ١٩٧٨
«تكوين» للفنان مجدى قناوى - ألوان مائية وورق ذهب على ورق ١٩٧٨


الفن التشكيلى مجموعة متنوعة من الإبداعات البصرية التى تعكس ثقافات وحضارات الشعوب، ولكل مبدع تجربة تحمل بصمته الخاصة التى تترجمها أعماله..

اقرأ أيضًا | افتتاح فعاليات الملتقى الأول للفنون التشكيلية بقصر الإبداع 

يُعد فن الجرافيك أو فن الطبعة الفنية أحد فروع الفن التشكيلى، ويقوم على إنتاج عمل فنى من خلال الطباعة باستخدام قالب أو سطح معدّ خصوصًا لهذه المهمة، مع إمكانية تكراره بعدد محدود من النسخ، مع الحفاظ على طابع العمل الفنى وأصالته..، وباختصار يمكن تعريفه بأنه عملية تحويل عمل فنى مُرسوم على أحد الأسطح - مثل الخشب، الحجر، المعدن، الشاشة الحريرية، أو لوح اللينو - ثم طباعته على الورق أو القماش أو أى سطح آخر معد لذلك، لنحصل فى النهاية على عمل فنى أصيل، لا مجرد نسخة مكررة.

وداعًا مجدى قناوى

الفنان محمد مجدى قناوى، الشهير بـمجدى قناوى، الذى غيّبه الموت أول أمس عن عمر ناهز 82 عامًا، وُلد فى محافظة الإسكندرية عام 1943، ويُعد من أبرز فنانى الطبعة الفنية فى مصر من أبناء جيله، فضلًا عن إبداعه فى لوحاته المنفذة بالألوان المائية التى تعكس تلقائيته وموهبته الفريدة فى التعامل مع هذه الخامة الصعبة.

تخرّج فى قسم الحفر بكلية الفنون الجميلة - جامعة الإسكندرية عام 1964، ثم حصل على دبلوم المعهد العالى للفن الطباعى بمدينة أوربينو فى إيطاليا عام 1981، والذى يُعادل درجة الدكتوراة المصرية، شغل منصب أستاذ ورئيس قسم التصميمات المطبوعة بكلية الفنون الجميلة - جامعة الإسكندرية، كما تولى إدارة الأكاديمية المصرية للفنون الجميلة بروما من عام 1995 حتى عام 2000، وخلال مسيرته التشكيلية والأكاديمية حصد عدة جوائز مرموقة، من أبرزها جائزة لجنة التحكيم فى بينالى القاهرة الدولى الخامس عام 1994.

عوالم الأسطورة والميثولوجيا

عندما نتأمل رحلة قناوى مع الحفر والطباعة نجد أننا أمام بعدين مهمين يسيطران على أغلب أعماله، البعد الخيالى الرمزى «الأسطورة»، والبعد المعرفى التاريخى «الميثولوجى».

وتُعد الميثولوجيا، بما تحمله من رموز وأساطير وحكايات، أحد أهم منابع الإبداع الإنسانى منذ فجر التاريخ. فقد لجأ الإنسان الأول إلى الأسطورة لفهم الكون وتفسير الظواهر الطبيعية وإشباع حاجاته الروحية والخيالية، لتصبح مرآة لوعيه الجمعى ومعتقداته، ولم يكن الفن التشكيلى بمنأى عن هذا التأثير، بل مثّل أحد أبرز الحقول التى تجسدت فيها الميثولوجيا بصريًا من خلال الجداريات والمنحوتات واللوحات، فمن النقوش المصرية القديمة، مرورًا بالأساطير الإغريقية والرومانية، ووصولًا إلى الفنون الحديثة والمعاصرة، ظل الفنان يستلهم من الأسطورة صورًا وأشكالًا تجسّد الصراع بين الخير والشر، والحياة والموت، والقوة والضعف.

ومن هنا تأتى أهمية الميثولوجيا فى الفن التشكيلى بوصفها رافدًا جماليًا ورمزيًا أسهم فى صياغة لغة الفن وتطوير مضامينه عبر العصور.. لذا جاءت فلسفة الفنان قناوى فى تجسيد تلك الظواهر على الأسطح الطباعية، من خلال محاولاته الدءوبة للبحث عن الفكرة وتجسيد الشكل وتوزيع اللون والظل والنور من أجل الوصول إلى غايته الفنية، والنتيجة أننا أمام أعمال تقترب فى طابعها من النقوش القديمة، بما تحمله من رموز ودلالات مثيرة للتأمل والاهتمام.

ملامس وتأثيرات تجريدية

يُعد توظيف الملامس فى العمل التشكيلى أحد أهم العناصر التى تمنحه قيمة جمالية وثراءً بصريًا، إذ يتيح للفنان التنويع فى السطوح وإضفاء إحساس بالحركة والحياة على اللوحة أو الطبعة الفنية. وفى تجربة الفنان الحفّار مجدى قناوى، تظهر الملامس كوسيط بصرى يكشف عن طاقة تعبيرية تتجاوز حدود الشكل الواقعى المألوف لدى المتلقى، ممهدةً الطريق أمام تأثيرات تجريدية تحاكى العمق النفسى والرمزى أكثر مما تحاكى الواقع الخارجى، وهكذا يتحول سطح العمل الفنى إلى فضاء متشابك بين الملمس الحسى والتجريد البصرى، يثير فى المتلقى حالات من التأمل والتساؤل، فضلاً عن أنه يعكس رؤية الفنان الفلسفية فى البحث عن المعنى الكامن خلف الشكل.

الدهشة والأهزوجة اللونية

تتسم أعمال الفنان مجدى قناوى بقدرتها على إحداث الدهشة فى نفس المتلقى، من خلال عدة تراكيب لونية متجانسة تارة، ومتباينة تارة أخرى، تعكس حساسيته العالية فى التعامل مع اللون كطاقة بصرية وروحية فى آن واحد، فاللون لديه لا يُستخدم بوصفه عنصرًا زخرفيًا فحسب، بل يتحول إلى أهزوجة لونية نابضة بالحياة، توحى بإيقاعات موسيقية داخل الفضاء التشكيلى، وتفتح أمام المشاهد آفاقًا من التأمل والانفعال.. وهكذا تتكامل الدهشة مع التنغيم اللونى لتشكّل معادلة جمالية خاصة، تؤكد فرادة تجربته الفنية وعمق رؤيته التشكيلية.

رحم الله القدير مجدى قناوى، وأتمنى أن يبادر قطاع الفنون التشكيلية بتنظيم معرض لأعماله فى القريب، ليتيح للنقاد وشباب الفنانين ومحبى الفن -فرصة التعرف عن قرب على إبداعاته المميزة.