لن يعد الشرق الأوسط هو ذاته الذى عرفناه لعقود، حيث كانت موازين القوى تُدار بأصابع معدودة، وتظل شعوبه رهينة معادلة مختلة تميل لصالح إسرائيل تحت غطاء أمريكى ثقيل. اليوم، ومن بين نيران التصعيد الإسرائيلى العابر للحدود، بدأت العواصم الكبرى فى الإقليم ترسم خرائط جديدة للتحالفات، بعضها يُبنى على الاقتصاد، وبعضها على الردع النووى، وجميعها ينهض من رحم إدراك جمعى بأن زمن الانفراد الأمريكى بالمشهد قد ولى، وأن زمن التعددية الاستراتيجية قد بدأ.
أولى هذه الإشارات جاءت من الرياض، التى أقدمت على خطوة تاريخية بتوقيع اتفاقية دفاع مشترك مع باكستان، لتضع نفسها تحت المظلة النووية الباكستانية.
وفى الشرق المتوسط، تعود القاهرة وأنقرة إلى مياه المناورات البحرية المشتركة بعد غياب طويل. ليس الأمر مجرد مشهد تدريبى عابر، بل هو إعلان ضمنى بأن لغة الخلافات القديمة لم تعد قادرة على الصمود أمام عواصف الحاضر. الحديث المتواتر عن تعاون فى مجال المسيرات، والذخائر، وغيرها، يكشف أن مصر وتركيا تقرآن التحولات بذات العين، وتدركان أن بناء توازن جديد يحتاج إلى مساحات أوسع من الشراكة، لا إلى المزيد من القطيعة.
أما باكستان، فهى الأخرى لم تكتفِ بالتحالف مع الرياض، بل أطلق وزير دفاعها دعوة جريئة إلى إنشاء «ناتو إسلامى» يمتد من مرتفعات الأناضول حتى تخوم جنوب آسيا. قد تبدو الفكرة مثالية فى لحظتها الأولى، لكنها تكشف نزوعًا واضحًا إلى كسر احتكار القوة وتثبيت توازن ردع جماعى يواجه إسرائيل، ويُشعر واشنطن أن البدائل باتت ممكنة.
وفى الضفة الأخرى، وقّعت الإمارات اتفاقية دفاع مشترك مع الهند، فى خطوة لا تقل دلالة. فهى توسع المعادلة من الإقليم العربى إلى القارة الهندية، وتضع أبوظبى فى قلب التفاعلات الآسيوية، حيث الاقتصاد والجيوبوليتيك متشابكان كخيوط حرير لا يمكن فصلها.
المحصلة أن المشهد يتغير جذريًا. لن تعد دول المنطقة ترضخ لعربدة إسرائيلية مطلقة بمباركة أمريكية، بل تبحث عن أطراف وازنة تدخل الملعب باكستان بسلاحها النووى، تركيا بقدراتها الصناعية والعسكرية، الهند بثقلها الديموغرافى والاستراتيجى. قد يبدو الأمر تعقيدًا إضافيًا على رقعة ملتهبة، لكنه فى حقيقة الأمر يمنع الانهيار تحت وطأة الغطرسة الإسرائيلية، ويفتح الباب أمام توازن قوى أكثر عدلًا.
لقد أدركت العواصم أن الانتظار لم يعد خيارًا، وأن القوة لا تُواجه إلا بقوة، وأن الحماية لا تُشترى من الخارج إلا إذا تأسست أولًا فى الداخل. وهكذا يطل على الشرق الأوسط زمن جديد. زمن تُعاد فيه كتابة القواعد، وتُرسم فيه خرائط تحالفات غير تقليدية، لعلها تكون الجدار الذى يوقف طوفان الاستعلاء، ويعيد إلى المنطقة حقها فى الأمن والسيادة.

شريف زرد يكتب: كيف أعاد كريم بدوي رسم خريطة الطاقة وهيكلة "البترول" من الداخل؟
عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟







