تساؤلات

أحمد عباس يكتب: في زيارة «ستاندرد آند بورز»

أحمد عباس
أحمد عباس


ظني أن الزيارة يمكن معها توقع سيناريوهات مٌحتملة منها: سيناريو إيجابى يقود لتحسين ( النظرة المستقبلية)، وهذا سيكون بمثابة شهادة على نجاح الإصلاحات، مما يعزز الثقة فى الجنيه المصري

تحسنات متوالية شهد الاقتصاد المصرى الإعلان عنها خلال الربع الثالث من العام الجاري، أغلبها جرى إعلانها من جانب البنك المركزي، استوقفتنى جميعها بلا استثناء لا بحكم متابعتى فقط للملف الاقتصادى والمصرفى لكن ربما أميل أكثر فى العادة لمتابعة كل شيء يبعث على تفاؤل حقيقى لا على وعود أو تقديراتٍ قائمة على وجهات نظر.

المتابع لكل إعلانات البنك المركزى التى تلاحقت خلال شهرين أو أكثر يستطيع بسهولة رصد التراجع الفعلى للتضخم، واستمرار نزوله على طريق تحقيق المُستهدف له بنهاية 2026، وهذه مسألة ينبغى تأكيدها فى كل فرصة، ذلك إن هذا التراجع هو بذاته هو مفتاح سر نجاح ونجاعة إدارة هذه القضية، بالفعل أعتبرها قضية وليست كمسائل عديدة عابرة، وبالطبع لا يكفى ذلك لإحداث تطور حقيقى فى الصورة العامة، لكن إذا أخذنا فى الاعتبار أيضًا ارتفاع تحويلات المصريين فى الخارج، والإصلاحات الهيكلية التى تجريها الدولة وتمكين القطاع الخاص وتحقيق استقرار كُلى حقيقى لا مجرد توقعات فقط.

مناسبة ذكر ما سبق أيضًا هو التزامن مع زيارة وفد من وكالة ستاندرد أند بورز S&P برئاسة روبرتو سيفون أريفالو، الرئيس العالمى لتصنيفات السيادة والجهات متعددة الأطراف، وبنيامين يونغ، المدير التنفيذى ورئيس قطاع تصنيفات السيادة لأوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا، للقاء ممثلين عن وزارة المالية والبنك المركزي، إلى جانب وفد رفيع من بنك جى بى مورجان.

في الزيارة السابقة فى أبريل 2025، قامت وكالة التصنيف الائتمانى العالمية S&P Global Ratings بتأكيد التصنيف الائتمانى لمصر عند B-/B مع نظرة مستقبلية مستقرة. وهذا التقييم يعكس حالة الاقتصاد المصرى فى تلك الفترة، لكنها استبعدت تحسينه ما لم تطرأ مستجدات قوية تدفع لذلك، منها مثلاً إذا أظهرت مصر تحسنًا كبيرًا فى مؤشرات الدين، أو شهدت تدفقاتٍ قوية من الاستثمار الأجنبى المباشر، أو حققت نجاحًا فى برنامج بيع الأصول، أو حققت نموًا اقتصاديًا قويًا ومُستدامًا، وبالفعل فقد تم كل ما سبق حتى وإن كانت بنسبة، لكنها فى النهاية على طريق سليم.

وتأتي الزيارة بعد فترة وجيزة من تطبيق سياسات اقتصادية جريئة، أبرزها: توحيد سعر الصرف ونجاح الحكومة فى السيطرة على معدلات التضخم، بالإضافة إلى إقرار «السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية» كخارطة طريق واضحة.

لا تقتصر أهمية زيارة ستاندرد آند بورز على الحكومة فقط، بل تمتد إلى الأسواق المالية العالمية، إذ يعد تصنيف الوكالة هو بمثابة مؤشر عالمى على الجدارة الائتمانية للدولة. فكلما ارتفع التصنيف، زادت ثقة المستثمرين فى قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية، كما يؤثر التصنيف بشكل مباشر على تكلفة الاقتراض على الدولة.

ظنى أن الزيارة يمكن معها توقع سيناريوهات مٌحتملة منها: سيناريو إيجابى يقود لتحسين (النظرة المستقبلية)، وهذا سيكون بمثابة شهادة على نجاح الإصلاحات، مما يعزز الثقة فى الجنيه المصري، ويجذب استثماراتٍ أجنبية مباشرة وغير مباشرة، ويخفض تكلفة التأمين على ديون مصر.

أما السيناريو المحايد فقد تقرر الوكالة الإبقاء على التصنيف الحالى والنظرة المستقبلية، إذا رأت أن الإنجازات الأخيرة بحاجة إلى مزيد من الوقت لإثبات استدامتها. ولا يُعد هذا السيناريو  سيئًا، ولكنه يُشير إلى أن الحكومة بحاجة إلى بذل المزيد من الجهود لتأكيد مسارها الإصلاحي.

ولا أظن أن تتجه الوكالة لأى سيناريو سلبي، فى النهاية، هذه الزيارة تعرف خلالها الوفد على «السردية الوطنية» التى أطلقتها الدولة، والتى ربما وجدوا فيها ردوداً على التزام مصر بخططها واستراتيجيتها الاقتصادية فى ظل كل التحديات العالمية والجيوسياسية الجارية، والتى تثبت جدارة الاقتصاد المصري على الصمود والمرونة والتقدم.