■ بقلم: د. محمد شومان
يشمل الإدمان البحث عن معلومات أو مساعدة الأطفال وطلبة الجامعات فى الدراسة وإعداد البحوث، وخلق صداقات وعلاقات وهمية بين مع برامج الدردشة.
أثبت كثير من الدراسات ظاهرة ما يسمى الإدمان التكنولوجى Technology Addiction، ويقصد به استخدام الأجهزة التكنولوجية، مثل الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر والألعاب الإليكترونية ووسائل التواصل الاجتماعى لساعات طويلة، والانشغال الدائم بها، والحاجة المستمرة والمتنامية لقضاء وقت أطول مع التكنولوجيا مع الفشل فى تقليل الاعتماد عليها، مما يؤدى إلى قلق وتوتر دائمين واضطرابات سلوكية، تجعل الشخص يعطى أولوية غير طبيعية للعالم الرقمى على حساب عالمه الواقعى.
وفي إطار الإدمان التكنولوجى ظهرت بعض الدراسات الحديثة التى تناقش وتحذر من مخاطر جديدة تتعلق بإدمان الدردشة مع تطبيقات الذكاء الاصطناعى. لكن بداية يجب أن نميز بين تطبيقات الشات بوت Chatbot وهو أداة بسيطة مصممة لمهمة معينة، وبين برنامج الذكاء الاصطناعى التوليدى التى هى نظم ذكية يمكنها فهم المحادثة والتفاعل معها بطريقة أقرب إلى البشر، بل وحتى الإبداع وتوليد أفكار جديدة. ومن أشهر تلك البرامج شات جى بى تى وجيمناى وديب سيك وجروك وربلكا، ويشير مصطلح «إدمان الذكاء الاصطناعى» إلى الاستخدام المفرط وغير المنضبط للأدوات والأنظمة التى تعمل بالذكاء الاصطناعي، مما يؤدى إلى نتائج سلبية على حياة الفرد، ويشمل هذا الإدمان الاعتماد على روبوتات الدردشة، أو أدوات توليد الصور، أو أى تطبيقات أخرى قائمة على الذكاء الاصطناعي.
ولا يقتصر إدمان الذكاء الاصطناعى على البحث عن معلومات أو مساعدة الأطفال وطلبة الجامعات فى الدراسة وإعداد البحوث، ولكنه امتد إلى ظاهرة خلق صداقات وعلاقات وهمية بين بعض الأشخاص وبرامج الدردشة، خاصة الأشخاص الذين يعانون من مشكلان نفسية حيث يصبحون فريسة لهذه البرامج المصممة بشكل ذكى وبسيط، والتى تنجح فى منحهم التعاطف والدعم والثقة الزائفة بالنفس، فهذه البرامج تعمل على مدار الساعة وبالمجان، وتقدم إجابات على كل الأسئلة والمشكلات بغض النظر عن صحة هذه الإجابات أو أخلاقياتها، فى هذا السياق اتهم برنامج شات جى بى تى بمساعدة مراهق أمريكى على الانتحار، وكانت اليونسكو قد حذرت من خطر الارتباط العاطفى الزائف بين الأطفال وبرامج الذكاء الاصطناعى. ورصد بحث أجرى فى الصين عام 2025 أن الطلبة الجامعيين الذين يعانون من مشكلات دراسية يميلون إلى الاعتماد على برامج الذكاء الاصطناعى بشكل أكبر.
إن تطبيقات الدردشة بالذكاء الاصطناعى تبدو جذابة للغاية، خاصة للأشخاص الذين يعانون من قلق اجتماعى أو شعور بالوحدة، حيث توفر مساحة خالية من الأحكام والآراء المسبقة، وبالتالى يمكن لأى شخص أن يطرح أى سؤال، أو أى فكرة بلا حرج، كما يمكنه التعبير عن أى شعور دون خوف من الرفض، ومن ثم الدخول فى حوارات ونقاشات فى موضوعات مختلفة لساعات طويلة، فبرامج الدردشة بالذكاء الاصطناعى تفاعلية ومصصمة لكى تبدو كصديق لا يغضب وتعمل لكى تنال إعجاب ورضا المستخدمين. من هنا تبدأ الألفة ثم التعود فالإدمان، والذى يدفع بعض الأشخاص إلى استبدال العالم الحقيقى والتفاعل البشرى إلى التفاعل مع الذكاء الاصطناعى، مما يخلق علاقات صداقة زائفة ومشاعر مفبركة غير حقيقية لكنها تبدو مريحة للأشخاص الذين يعانون من العزلة أو من مشكلات نفسية.
وعلى الرغم من كثرة الشواهد على ظاهرة إدمان الذكاء الاصطناعى إلا أن الدليل التشخيصى والإحصائى للاضطرابات النفسية أو التصنيف الدولى للأمراض، لم يدرجا إدمان الذكاء الاصطناعى حتى الآن، وهو ما يثير موجة من الانتقادات التى تطالب بتطوير هذه الأدلة والإقرار بمظاهر إدمان الذكاء الاصطناعى والعمل على طرح أفكار ومبادرات للحد منه، ولعل من أهم هذه الأفكار، والتى يجب أن نهتم بها فى مصر والعالم العربى ما يلى:
1- زيادة الوعى حول الاستخدام الصحى للذكاء الاصطناعى ومخاطر الاعتماد المفرط عليه، وإدماج هذا الموضوع فى إطار محو الأمية الرقمية ومحو الأمية الإعلامية والتى يجب أن تدرس فى المدارس والجامعات.
2- وضع سياسات دولية ومحلية تستهدف تحقيق التوازن بين الإنسان والذكاء الاصطناعى، لعل من أهمها وضع قيود عمرية على الاستخدام المطول للدردشة مع الذكاء الاصطناعى لحماية الأطفال والمراهقين. وتحديد أوقات معينة لاستخدام الأدوات القائمة على الذكاء الاصطناعى وتجنب استخدامها فى أوقات الراحة أو قبل النوم.
3- اتفاق شركات الذكاء الاصطناعى برعاية من الأمم المتحدة على وضع أنظمة داخل تطبيقات الذكاء الاصطناعى تذكر المستخدمين بطبيعة الذكاء الاصطناعى غير البشرية، وأن المستخدم يتفاعل مع خوارزمية وليس كائنًا واعيًا، مع فرض فترات راحة إلزامية على المستخدمين أثناء الجلسات الطويلة.
4- إنشاء مراكز البحوث لفهم التأثيرات القصيرة وطويلة المدى للذكاء الاصطناعي على المستخدمين وتطوير أنظمة تحدد بشكل استباقى أنماط الاستخدام غير الصحية وتقدم موارد للمساعدة.
5- دعم برامج إعادة التأهيل للأفراد الذين طوروا اعتمادًا مرضيًا على الذكاء الاصطناعي.

البيضة والحجر!
د. محمد محسن رمضان يكتب: الجيل الجديد من التجسس الرقمي يهدد الخصوصية الإلكترونية
دينا الصاوي تكتب: تسعون دقيقة من الانتماء





