مرت العملية الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت موقعًا يُعتقد أنه كان يضم قيادات من حماس على الأراضي القطرية. وبينما ركز البعض على السؤال السطحي: “هل نجحت العملية أم فشلت؟”، تجاهل الكثيرون الصورة الأشمل، التي تتجاوز ما إذا كانت الضربة قد أصابت هدفها المباشر من عدمه، إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.
وفقًا للمنظور الضيق الذي يتعامل مع العمليات العسكرية من زاوية تصفية أهداف محددة، قد يبدو أن العملية الإسرائيلية لم تحقق “هدفها” المعلن، خاصة مع إعلان أكثر من جهة أن قيادات حماس المستهدفة نجت من الضربة. لكن هل هذا وحده كافٍ لتوصيف العملية بالفشل؟
الإجابة، من زاوية استراتيجية أوسع، تبدو أكثر تعقيدًا. فنجاح أي عملية من هذا النوع لا يُقاس فقط بحصيلة الأرواح، بل بالرسائل التي تُرسل، والخريطة السياسية التي يعاد رسمها بعدها. وبهذا المعيار، فإن العملية نجحت بالفعل — ليس فقط في توصيل رسالة، بل في فرض معادلة جديدة على طاولة الصراع.
حماس، منذ سنوات، وجدت في قطر مظلة حماية سياسية ومالية وإعلامية، مستندة إلى توازن دقيق ترعاه الولايات المتحدة ضمن ما يمكن تسميته بـ”الهندسة الإقليمية المدارة”. كانت الدوحة بمنزلة الغطاء الآمن، ليس فقط لحماس، بل لأدوار كثيرة ملتبسة في المنطقة.
العملية الأخيرة جاءت لتقول بوضوح: لا حاضنة آمنة بعد اليوم. لم تكن مجرد طلقة في فراغ، بل إعلان نهاية لمرحلة بدأت منذ سنوات. إسرائيل، ومن خلفها الداعمين الغربيين الفاعلين — وعلى رأسهم واشنطن ولندن — أعادت تعريف المشهد: “كل من يؤوي حماس سيُحمَّل المسؤولية”.
بالتالي، فنجاة القيادات من الضربة لم تمنع الرسالة من الوصول: انتهى زمن الغطاء السياسي. وبصمت بالغ، تم تحجيم الدور القطري في المعادلة، وإخراجه من موقع الوسيط “الموثوق” إلى لاعب فقد أهلية التأثير.
الآن، وبعد الضربة، يتبادر سؤال محوري: ما البديل؟ إن كانت قطر قد خرجت، فمن الحاضنة التالية؟ الاحتمالان الأكثر ترجيحًا هما: تركيا أو مصر.
لكن هنا تبرز المفارقة الكبرى: نقل الملف إلى مصر ليس فقط خطوة تكتيكية، بل إعادة تموضع كاملة للمسرح الإقليمي. حماس إذا دخلت تحت السقف المصري، فإنها تدخل ضمن حسابات دولة لا تلعب في الفراغ، ولا تقبل بأن تكون واجهة لمشروع غير مصري.
وإن تحقق ذلك، فإن القضية الفلسطينية نفسها يتم “ضغطها” لتصبح ملفًا تحت إشراف مباشر من القاهرة، مما يرفع الضغط عن الدوحة، ويضعه على مصر، التي تُراد لها أن تكون “المُدان البديل” في أي إخفاق قادم.
ما يجري الآن، في تقدير استراتيجي هادئ، ليس فقط عملية تصفية حساب مع حماس، ولا حتى إنهاء لدور قطر. ما يجري هو ما يمكن تسميته بـ”نقل مركز الثقل” إلى القاهرة، مع الاستعداد لتفجير حملة إعلامية وسياسية ضخمة ضد مصر.
فما إن تنتهي القمة العربية المرتقبة، حتى يبدأ الموج التالي من الهجوم على مصر، لكن ليس من الصهاينة فقط، بل من أدواتهم داخل المنطقة — عملاء الإعلام، منابر الضغط، والخلايا النائمة.
المعادلة بسيطة: تحويل مصر من دولة حامية ومستقرة، إلى طرف متهم بالتقصير، في قضية لا تُحسم إلا على أرضها. وسيبدأ التمهيد بموجات من الخطاب العاطفي، والتباكي على غزة، والدعوة لفتح الحدود، وتصوير قطر كـ”الشهيد الشريف” الذي دفع ثمن مواقفه، بينما تُتهم مصر بـ”الصمت” أو “التقاعس”.
من المهم أن نفهم: إسرائيل فعلت ذلك مع دول كثيرة — من تونس إلى العراق، ومن لبنان إلى سوريا، حتى قطر. لكن لماذا لم ولن تفعلها مع مصر؟
الجواب يكمن في معادلة الردع الحقيقي. مصر ليست دولة مفرغة من سيادتها أو قوتها. جيشها هو الوحيد المتبقي في المنطقة الذي لم يُستنزف في حرب أهلية أو يُحل بفعل احتلال. ومجرد التفكير في استهداف أراضي مصر، يعني إشعال حرب إقليمية لن تنتهي إلا بانهيار توازنات دولية.
الحدود المشتركة، منظومة الدفاع الجوي، عقيدة الجيش، وتجربة التاريخ — كلها تفرض على إسرائيل أن تفكر ألف مرة قبل أي تصعيد مباشر. لا مجال للمناورة مع مصر. لا ثغرات. لا ضعف. لا تردد.
لذلك فإن الحرب على مصر لن تأتي عبر صواريخ أو طائرات، بل عبر وكلاء. الحملة القادمة ستكون ناعمة في شكلها، خبيثة في مضمونها، تستهدف شرف الجيش، وسمعة الدولة، ووحدة الشعب.
والسؤال الحقيقي: هل نحن مستعدون لذلك؟
أم سنسمح لأعدائنا بأن يفرضوا علينا صورتهم للحقيقة؟
لا تنساقوا وراء الخطاب العاطفي الذي يروّج له بعض المنتسبين زورًا للإنسانية أو للدين.
لا تشتريوا الأوهام المعلّبة عن بطولات مزعومة أو نوايا شريفة.
من يروّج الآن لفكرة أن “قطر دفعت الثمن” و”مصر يجب أن تتحرك”، فاعلم أنه إما جاهل، أو متورط، أو مجرد بوق مأجور.
مصر ليست جزءًا من مؤامرة الآخرين، ولا منصة لتبييض خيانتهم.
مصر دولة تقرر وفق مصالحها، وتتحرك وفق إرادتها، وتحمي شعبها وجيشها بحكمة قيادتها، لا بتغريدات مراهقي السياسة.
حفظ الله مصر .. جيشًا من شعب، وشعبًا يحمي الجيش
كاتب المقال : كاتب ومفكر سياسي ونائب برلماني سابق

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







