محمد تُهامى.. وصُنع الذكريات

لوحة «الذاكرة» للفنان محمد تهامى- ألوان أكريلك
لوحة «الذاكرة» للفنان محمد تهامى- ألوان أكريلك


الفن التشكيلى مجموعة متنوعة من الإبداعات البصرية التى تعكس ثقافات وحضارات الشعوب، ولكل مبدع تجربة تحمل بصمته الخاصة التى تترجمها أعماله.

بالتأكيد هناك فى حياة كل منا ذكريات تلازمنا طوال الوقت لا تنسى مع مرور الزمن، بل تدوم إلى الأبد..، لكن هل نحن مَن نصنع تلك الذكريات ونستعيدها ونستمتع بها كلما سنحت الأوقات؟ أم المواقف والأيام هى التى تصنعها بحلوها ومرها؟

اقرأ  أيضًا | افتتاح فعاليات الملتقى الأول للفنون التشكيلية بقصر الإبداع 

وقد تكون الذكريات أحيانًا مصدر ألم بسبب ما فقدناه، وقد تصبح دروسًا قاسية من الصعب أن نتخطاها أو نتجاهلها، لكن بكل تأكيد نستفيد منها فى المستقبل.

وكما قال «هاروكى موراكامى» الكاتب اليابانى الشهير: الذكريات تدفئ الإنسان من الداخل، لكنها فى الوقت نفسه تُقَطِّعه بعنف إلى أجزاء.

هناك عبارات كثيرة مغزاها- أن أفضل شىء فى الذكريات هو صُنعها، أو أن تكون مهيئًا لصُنعها..، وذلك كما قال الكاتب والروائى الكولمبى «غابريلماركيز»: إنه انتصار للحياة أن يفقد كبار السن ذكرياتهم عن الأشياء غير الضرورية.

من هنا جاءت فكرة لوحة «الذاكرة» للفنان محمد تهامى المُدرس بقسم الجرافيك بكلية الفنون الجميلة بالقاهرة، والذى حصد أكثر من جائزة عبر مشواره الفنى، منها: الجائزة الثانية فى مسابقة مؤسسة فاروق حسنى للثقافة والفنون فى مجال التصوير 2021، والجائزة الثالثة فى المسابقة نفسها 2022، والجائزة الكبرى فى مسابقة ضى للشباب العربى- الدورة الرابعة 2022.

الذاكرة
رسم تهامى لوحته «الذاكرة» فى مساحة 150x130 سم بألوان الأكريلك على كانفا، وهى لوحة أشبه بآلة الزمن التى نستعيد معها ذكرياتنا منذ الطفولة ومرورًا بالمحطات والأشخاص الذين تركوا علامات واضحة فى حياتنا.

فقد رسم سيدة مُسنَّة تجلس على كرسى بمفردها داخل غرفتها، وكأن هذه الغرفة تحولت إلى ما يُشبه «آلة الزمن» تشاهد بداخلها العديد من رموز ومحطات حياتها، والسيدة تمسك فى يدها اليمنى بعض الأقفال مُعلقة فى دلاية من القماش، فى إشارة إلى أن هذه الأقفال لا يمتلك مفتاحها إلا هى.. هى فقط مَن يستطيع أن يتلمس فتحها والغوص بداخلها واستعادة ما وقع من أحداث سعيدة أو حزينة حُفرت فى ذاكرتها وحدها..، وما إذا كان هذا هو الجانب أو التاريخ المضىئ فى طفولتها وصباها، أم العكس.. وهل هذه الأقفال هى النافذة التى تفتح من خلالها أبوابها على أحداث تُعد سهامًا نافذة فى قلبها أم أنها مصدر للفرحة والسرور؟!

رموز وألوان
استطاع تهامى، أن يطير بنا إلى محور تصوراته من خلال مساحاته ورموزه اللونية وتأثيراتها حتى الهبوط إلى مقصده وإيصال الفكرة برمتها بناءً على عدة علامات وتشكيلات لونية، فقد ترك آثار اللون السماوى أعلى جبين السيدة بطريقة عشوائية غير منتظمة امتزجت بالخلفية فى إشارة إلى أنها تفكر أو تستعيد شيئًا ما فى حياتها، مع الاستمرار بوضع اللون الأزرق الداكن فى الجزء الأسفل من ملابسها ويدها اليسرى للتأكيد على المعنى.

ورسم على يسارها منضدة صغيرة وضع فوقها عدة تليفون قديمة فى إشارة إلى البُعد الزمنى، وعلى يمينها رسم دراجة صغيرة مُعلق بها بعض البلالين الملونة.. فى إشارة إلى مرحلة طفولتها، ورسم فى الخلفية بعض الشخوص بلون واحد كأنه يشير إلى بُعد الزمن وعدم وضوح ملامح هؤلاء الأشخاص لبُعد المسافة، هؤلاء الأشخاص على الأرجح، أصحاب علامات وبصمات فارقة فى حياتها، سعيدة كانت أو حزينة.

بالنظرة المتأنية للواقع الرمزى واللونى عند تهامى، ومن ثم الرؤية النهائية للعمل الفنى الذى قَدَّمه، نجد أنه نجح فى الغوص بنا فى أعماق ذاكرتنا ومخيلتنا جميعًا، وليس ذاكرة تلك السيدة فقط، حيث إن اللون جزء لا يتجزأ من العمل الفنى، إنما النظر إليه يجب أن يكون وحدة واحدة، وكل مساحة لونية لها دور تؤديه تساعد فى إظهار الصورة والفكرة النهائية، ورغم أن الفنان ما زال فى بداية الطريق، فإنه نجح فى فرض شخصيته من خلال هذا المزج البصرى واللونى والتعبيرى فى آنٍ واحد.