قيود اقتصادية تعرقل طموح الصين لمنافسة وكالة التنمية الأمريكية

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية


كشفت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، أن الصين تواجه عقبات أيديولوجية واقتصادية داخلية تعرقل قدرتها على منافسة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، رغم محاولاتها استغلال تراجع الدور الأمريكي في بعض الدول. 

وأفادت المجلة أن بكين، ورغم تقدمها الاقتصادي، لا تزال تفتقر إلى الرغبة السياسية والشعبية لتخصيص مساعدات خارجية بحجم البرامج الأمريكية العملاقة.

إرث الوكالة الأمريكية والفراغ المحتمل

منذ إدارة دونالد ترامب، التي قلّصت برامج الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، ظهرت مخاوف من أن تسارع بكين إلى ملء هذا الفراغ، وبالفعل، تحركت الصين لتعويض بعض المشاريع في نيبال وكمبوديا، ما أثار قلقًا أمريكيًا متزايدًا بشأن احتمال استبدال النفوذ الأمريكي في الخارج بنفوذ صيني.

عقبات أمام بكين

غير أن تعويض الدور الأمريكي ليس بهذه السهولة، فمساعدات الصين الخارجية تتراوح بين 5 و8 مليارات دولار سنويًا فقط، مقارنةً بـ63 مليار دولار قدمتها الولايات المتحدة قبل خفضها، كما أن الحزب الشيوعي والرأي العام الصيني يعارضان بشدة تخصيص مبالغ ضخمة للخارج، خصوصًا في ظل استمرار معاناة قطاعات واسعة داخل الصين من الفقر، وفقًا لما أفادت به المجلة.

رغم صعود الصين إلى مصاف الدول ذات الدخل المتوسط المرتفعع، فإن متوسط دخل الفرد لا يزال لا يتجاوز سُبع نظيره في الولايات المتحدة، وهو ما يفسر إصرار الرئيس الصيني شي جين بينج على إعطاء الأولوية لمكافحة الفقر في الداخل، بدلًا من تقديم التزامات مالية ضخمة في الخارج، خاصة مع الضغوط الاجتماعية المرتبطة بالريف والمهاجرين الحضريين.

خطاب سياسي مختلف: «التعاون لا المساعدات»

ترفض الصين رسميًا وصف نفسها بـ"المانح"، وتُصر في وثائقها الرسمية على استخدام مصطلح "التعاون بين بلدان الجنوب". 

وهذا النهج، يعكس حرص بكين على ترسيخ هويتها كدولة نامية، ويغذي في الوقت نفسه الجدل داخل المجتمع الصيني حول جدوى إنفاق الأموال على مساعدات خارجية بينما لا تزال هناك تحديات داخلية كبرى.


رؤية شي جين بينج: «التجارة أولًا لا الرعاية»

حتى الرئيس الصيني نفسه يحتاج لإقناع بأهمية المساعدات الخارجية، فهو ينتقد باستمرار "الإفراط في الرعاية الاجتماعية"، ويرى أنها تُنتج الاتكالية وتُضعف الاقتصاد، مستشهدًا بتجارب أمريكا اللاتينية. 

وامتدت هذه الرؤية، إلى ملف المساعدات، حيث يدفع شي جين بينج نحو مقاربة تركز على "التجارة لا المساعدات"، وهو نهج يتشابه في بعض جوانبه مع مقاربة إدارة ترامب.


تاريخ المساعدات الصينية.. «من السخاء إلى الانكماش»

لم تكن الصين دائمًا متحفظة في ملف المساعدات، ففي سبعينيات القرن الماضي، وصلت مساعداتها الخارجية إلى ما يقارب 6% من الناتج المحلي الإجمالي، في إطار منافسة الاتحاد السوفيتي ودعم الحركات المناهضة للاستعمار. 

لكن بحلول نهاية العقد نفسه، ومع الحاجة لإصلاح الاقتصاد الداخلي بعد الثورة الثقافية، تراجعت هذه الالتزامات بشدة، ثم أعادت بكين النظر تدريجيًا في استراتيجيتها بعد عزلة ما بعد أحداث تيانانمن عام 1989.

القروض التجارية بديلًا عن المساعدات

منذ ذلك الحين، أصبحت القروض التجارية عبر بنك التصدير والاستيراد الصيني الأداة الرئيسية للانخراط الدولي. 

ورغم أن بعض هذه القروض يُصنف كمساعدات وفق معايير دولية، إلا أن معظمها يظل ذا طابع تجاري بحت، ما يجعلها مختلفة جذريًا عن برامج التنمية الأمريكية القائمة على المساعدات المباشرة والغذاء والدعم الصحي.

وفي الأشهر الأخيرة، عرضت بكين استبدال بعض البرامج الأمريكية الصغيرة. 

ففي كمبوديا، قدمت 4.4 مليون دولار لدعم برنامج إزالة الألغام، لكنه مبلغ متواضع مقارنة بالتمويل التجاري الضخم، وفي نيبال، برزت عروض صينية لتعويض المساعدات الأمريكية، لكن التفاصيل لا تزال غامضة.


الحقيقة الغائبة.. «الصين ليست بديلا كاملا»

وفقًا للمجلة، الخوف من أن تحل الصين محل الوكالة الأمريكية قد يُغفل الواقع، فبكين تتحرك بحذر، وتغتنم الفرص حيثما تخدم مصالحها الاستراتيجية، لكنها لا تسعى إلى تقليد نموذج واشنطن في "القوة الناعمة"، لكنها تفضل اعتماد مقاربة خاصة، تدمج التجارة بالسياسة، وتعكس أيديولوجيتها الداخلية.

وتحليلا لما سبق، فمن الخطأ الافتراض بأن الصين ستملأ تلقائيًا كل فراغ تتركه سياسات التقشف الأمريكية، لأنها تتعامل مع المساعدات الدولية بعقلية مختلفة، تستند إلى أولوياتها التنموية الداخلية، وإلى رؤية أيديولوجية تُفضل التجارة على الدعم المباشر، «وهكذا تبقى بكين لاعبًا مهمًا في النظام العالمي، لكن.. ليس على طريقة واشنطن».