رغم أن السينما المصرية تُعدّ الأقدم والأغزر إنتاجًا في العالم العربي، وصاحبة الريادة في تشكيل هوية الفن السابع بالمنطقة منذ أكثر من قرن، إلا أن حضورها في محافل الجوائز العالمية، وتحديدًا جائزة الأوسكار لأفضل فيلم دولي (أجنبي سابقًا)، ظلّ غائبًا بشكل لافت إن لم يكن معدوما.. لم تصل أي من الأفلام المصرية إلى القوائم القصيرة أو النهائية لتلك الجائزة.
غيابٌ لا يُبرره ضعف الإنتاج أو قلة المواهب، بل تقف خلفه مجموعة من العوامل المعقدة، ما بين اختيارات غير موفّقة، ونقص في الوعي التسويقي، ومحدودية الأفق في التعامل مع السوق السينمائي العالمي.
هذا الغياب المستمر يطرح سؤالاً ملحًا: لماذا لم تُنصف السينما المصرية نفسها أو تُنصفها الأكاديمية الأمريكية؟
(مشاركات كثيرة.. بلا حضور فعلي)
بدأت مصر إرسال أفلام للمنافسة على جائزة الأوسكار منذ عام 1958، وكان أول فيلم تم ترشيحه هو “باب الحديد” للمخرج يوسف شاهين، ولم يكن أول فيلم مصري فحسب، بل وأفريقي وعربي أيضا يقدم للتنافس على الجائزة، إلا أنه لم يُقبل في المنافسة النهائية.
ومنذ ذلك الحين، وعلى مدار العقود التالية، رشحت مصر حوالي 38 فيلمًا، منها أعمال بارزة مثل:
“إسكندريه.. ليه؟” (1979) للمخرج يوسف شاهين، “المصير” (1997) ليوسف شاهين، و”عمارة يعقوبيان” (2006) للمخرج مروان حامد، “يوم الدين” (2018) – للمخرج أبو بكر شوقي، الزوجة الثانية” أو “الأرض”، “باب الحديد (1958) ليوسف شاهين، الأرض (1970) ليوسف شاهين، “أيام السادات” (2001) لمحمد خان، “سعاد” (2020) لآيتن أمين.
لكن اللافت أن أيًا من هذه الأفلام لم يصل إلى القائمة القصيرة، باستثناء “يوم الدين” الذي شكّل بارقة أمل، لكنه لم يكمل الطريق، حيث وصل إلى القائمة الطويلة فقط، دون استكمال الرحلة نحو الترشح النهائي.
رغم توفر العناصر الفنية والموضوعات الإنسانية العميقة، إلا أن السينما المصرية لم تنجح في فرض نفسها على ساحة الأوسكار، وذلك يعود لعدة أسباب:
أولا اختيارات تفتقر للرؤية العالمية، فكثير من الأفلام التي يتم ترشيحها تميل إلى الشعبية أو الطابع المحلي، ولا تأخذ في الاعتبار المعايير الدولية، من حيث جودة السرد، المعالجة البصرية، والطرح الإنساني العابر للحدود.
ثانيا اختيارات غير مدروسة للجنة الترشح، غالبًا ما تُرشَّح أفلام بناءً على شهرتها المحلية أو أبعادها السياسية/الاجتماعية، دون أن تُراعي معايير الأوسكار الفنية والبصرية والسردية الدقيقة، وكثير من الأفلام المختارة لا تتماشى مع الذوق العالمي أو لم تُصنع لتكون موجهة للسوق الدولي.
ثالثا ضعف الحملات الدعائية، فالأوسكار ليس فقط ساحة إبداعية، بل أيضًا معركة تسويق وعلاقات عامة قوية، الفيلم يحتاج إلى وكلاء ترويج، وعروض خاصة لأعضاء الأكاديمية، وتغطية إعلامية ذكية، وهو ما يغيب تمامًا عن الأفلام المصرية.
رابعا غياب الإنتاج المشترك، فالأفلام التي تصل للأوسكار غالبًا ما تُنتَج عبر شراكات مع شركات أوروبية أو أمريكية، ما يضمن جودة أعلى وتوزيعًا أوسع، أما السينما المصرية فتعتمد على إنتاج داخلي محدود، يحاصر الفيلم داخل الإطار المحلي.
خامسا الرقابة والمحاذير، كثير من الأفلام التي تحقق نجاحًا عالميًا تتناول قضايا حساسة بجرأة وصدق، بينما ما يزال الكثير من المخرجين المصريين يواجهون قيودًا رقابية أو خوفًا من الاصطدام بالمحاذير الاجتماعية والسياسية ما يضعف فرصها في لفت الأنظار.
سادسا ضعف الحضور في المهرجانات الكبرى، المهرجانات مثل “كان” و”فينيسيا” و”برلين” هي منصات الإطلاق الرئيسية نحو الأوسكار ومصر، رغم مكانتها، لم تتمكن من أن تحجز لنفسها موقعًا دائمًا في هذه الساحات.
(فرص حقيقية لم تُستثمر)
في مسار السينما المصرية، هناك محطات كان يمكن أن تُحدث فرقًا لو تم استثمارها جيدًا: منها “باب الحديد” (يوسف شاهين) الفيلم السابق لعصره في الطرح واللغة البصرية، و”المومياء” (شادي عبد السلام) كعمل نخبوي معترف به عالميًا، لكنه لم يترشح، وكذلك “الأرض” (يوسف شاهين) الذي اقتحم قضية مؤثرة لها بعدها الاجتماعي والسياسي، وأيضا محطة فنية مهمة، و”الزوجة الثانية” (صلاح أبو سيف) الذي حمل دراما واقعية ذات بعد إنساني عميق، وفيلم “يوم الدين” (أبو بكر شوقي): أقرب محاولة معاصرة، لكنه افتقر إلى حملة دعم فعالة.
والسؤال الآن “هل يمكن أن نصل مستقبلا؟”، الإجابة: نعم، بشرط التغيير. إذا أرادت مصر أن تحظى بترشيح حقيقي، فعليها أن: تشجع الإنتاج المشترك مع جهات دولية، وأن تتبنّى سياسة دعم للأفلام المرشحة تشمل الترويج، المشاركة في المهرجانات، وتوفير حملات علاقات عامة.
وتفتح المجال أمام الأصوات الشابة والسينما المستقلة التي تُجيد الحديث بلغة العصر، وأعتقد إن لدينا عدد من تلك الأصوات إن يمكنها صناعة الفارق، وآخرها سارة جوهر بفيلمها “عيد ميلاد سعيد” الثري فنيا.
نعم تاريخ السينما المصرية ثري ومشرف، وتمتلك القصص الغنية، لكن على الصعيد الدولي، ما تزال خطواتها خجولة، ينقصها التخطيط والعين العالمية.
ربما حان الوقت لتُدرك المؤسسات الفنية أن القيمة الحقيقية لا تكمن فقط في كثرة الإنتاج، بل في كيفية تقديمه للعالم، وبأي رؤية. فالأوسكار لا يُعطي الجوائز فقط للأفضل، بل لمن يُحسن تقديم نفسه بطريقة ذكية ومؤثرة.
الوصول إلى الأوسكار ليس مجرد حلم، بل ممكن التحقيق إذا تغيرت المنظومة، وتحوّلت النوايا إلى عمل احترافي منسق بين الفنانين، المنتجين، والدولة.
(تجارب عربية نجحت في الوصول إلى الأوسكار)
رغم أن السينما المصرية لم تحقق حضورًا في جوائز الأوسكار حتى الآن، فإن بعض الدول العربية استطاعت أن تحقّق اختراقًا حقيقيًا، وتصل إلى القائمة القصيرة أو حتى الترشيحات النهائية، وأحيانًا الفوز. ونذكر على سبيل المثال الجزائر الدولة العربية الوحيدة التي فازت بفيلم “وقائع سنين الجمر” (1975) – للمخرج محمد لخضر حمينة، حيث فاز بجائزة السعفة الذهبية في “كان”، ثم رُشّح للأوسكار وفاز بجائزة أفضل فيلم أجنبي، ليكون أول وآخر فيلم عربي يفوز بالجائزة حتى الآن.
منها أيضا فيلم “الخارجون عن القانون” (2010) – رشّح رسميًا للأوسكار من إخراج رشيد بوشارب، الذي حقق أيضًا ترشيحين آخرين لأفلامه الفرنسية ذات الطابع المغاربي.
وتأتي فلسطين التي شهدت ترشيحات متكررة رغم المعاناة.. فيلم “الجنة الآن” (2005) للمخرج هاني أبو أسعد، الذي ترشّح للأوسكار ووصل إلى المرحلة النهائية، وحقق جدلًا واسعًا بسبب موضوعه السياسي الحاد.
وفيلمه الآخر “عمر” (2013) ترشّح أيضًا رسميًا للأوسكار، وكان ضمن القائمة النهائية. هذه التجارب أظهرت قدرة السينما الفلسطينية على فرض صوتها رغم الإمكانيات المحدودة، وذلك بفضل التركيز على قضايا إنسانية عالمية.
وتأتي تونس لتشكل صعود قوي في السنوات الأخيرة، بأفلام “الرجل الذي باع ظهره” (2020) للمخرجة كوثر بن هنية، حيث ترشّح رسميًا للأوسكار، ولاقى احتفاء دوليًا واسعًا، و”على كف عفريت” (2017) – لنفس المخرجة، لم يترشح، لكنه شارك في مهرجانات كبرى مثل “كان”، مما ساعد على تسويق التجربة التونسية عالميًا، ويجئ فيلمها الأخير “صوت هند رجب” المتوج بجائزة الأسد الفضي لمهرجان فينيسيا ليشكل فرصة جديدة.
وشهدت المغرب ترشيحات دون وصول نهائي، حيث قدمت عددًا من الترشيحات، لكنها لم تصل بعد إلى القائمة النهائية.
ومع ذلك، هناك تطور ملحوظ في جودة الإنتاج والمواضيع المطروحة، خاصة في السنوات الأخيرة.
“ماذا نستفيد من التجارب العربية الناجحة؟”
• الاختيار الذكي للفيلم: كل التجارب التي وصلت إلى الأوسكار حملت قضايا إنسانية عالمية بطرح بصري فني.
• الجرأة: لم تخفِ هذه الأفلام موقفها أو رسالتها، بل صاغتها بذكاء ووضوح.
• دعم الدولة والمؤسسات: معظم هذه الأفلام حصلت على دعم مؤسسات ثقافية وتسهيلات ساهمت في تسويقها.
• الحضور في المهرجانات الكبرى: جميع هذه الأعمال بدأت من مهرجانات كبرى قبل أن تصل إلى الأوسكار.
تطبيع الذكاء الاصطناعى
خالد محمود يكتب : « الشهود المحترفون » .. كيف صنع النقد صورة سينما نجيب محفوظ ؟
ياسمين صبري والبطولة المطلقة







