غالبيتنا مُغرمون بلعب دور المحلّل، الذى يقبض على جمر الحقيقة المُطلقة، ثم يرمينا بشرَر تأويلاته دون استنادٍ إلى المنطق غالبا. والتحليل منهجٌ مهم، يُخلّصنا من سلبيات نظام تعليمى جعل التلقين فريضة، لأنه ينطلق من تفكيك التفاصيل ودراسة كلٍ منها بعُمق، طمعا فى الوصول إلى نتائج سليمة، ولأن محللى «الفهلوة» لا يعرفون ذلك، فقد طغت وجهات نظرهم السطحية على معظم ما يتناولونه من قضايا.
قبل أسابيع فاجأتنا حالات وفاة غامضة بقرية دلجا، راح ضحيتها عدة أشقاء ووالدهم. تدافعت التحليلات، وتنوّعت بين ظهور مرض غامض وتلوثٍ جعل المياه «فيها سمٌ قاتل»! وعلى الفور دخلت الجهات المعنية على خط ردود الفعل، ونفت فرضيتى المرض والتلوث، بدليل أن بقية أفراد القرية لم يواجهوا الكارثة نفسها. عدم الوصول إلى تفسير سريع لحالات الوفاة، زاد من وقْع حالة الغموض، والغموض دائما مُفجّر للخيال، لهذا واصل الكثيرون ترديد الشائعات ذاتها، وزعموا أن المؤسسات الحكومية تسعى لتغطية تقصيرها، ثم جاءت النهاية المفاجئة، باعتراف زوجة الأب أنها دست فى الخبز مبيدا حشريا!
معظمنا يعرفون تفاصيل القضية المنظورة أمام القضاء، غير أن ملابساتها مع وقائع أخرى مشابهة، كافية لكشف إحدى عوراتنا، التى زادت تضخّما مع توغل الـ«سوشيال ميديا» فى حياتنا، ورفْعها منسوب شهوة التنظير بداخلنا.
نزعة البشر للتأويل قديمة، فهى كامنة فينا منذ احتللنا سطح الكوكب، وأفرزت المقاهى على مدار سنوات طويلة مضتْ، متخصصين مزعومين يفرضون رؤاهم الوهمية، وكأن كلا منهم هو العالم الوحيد بأمور الدنيا والدين، العدد كان يبدو قليلا لأن هناك من مارسوا الهواية «من منازلهم» فى الخفاء، قبل أن تفتح الـ»سوشيال ميديا» أمامهم الأبواب على مصراعيها، وهكذا صار الكثيرون يفتون وينشرون ثرثراتهم بلا علم، ويصدرون الأحكام غيابيا بقلبٍ ميت، والغريب أنهم لا يشعرون بالخجل عندما تنسف الحقائق أخطاءهم، ولماذا الحياء إذا كانت دوامات التواصل الإلكترونى تسلب منا ذاكراتنا، وتمنحهم استمرارية البقاء، اعتمادا على أننا أصبحنا مصابين بداء النسيان؟!

شريف زرد يكتب: كيف أعاد كريم بدوي رسم خريطة الطاقة وهيكلة "البترول" من الداخل؟
عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟







