أزمة عمالة تدفع أمريكا للتفكير في «بطاقة هجرة حديدية» تمنح الجنسية.. تفاصيل

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية


تواجه الولايات المتحدة أزمة عمالية غير مسبوقة تهدد مستقبل مشاريعها العملاقة في البنية التحتية، وهو ما يدفع صناع القرار إلى التفكير خارج الصندوق.

فمع تصاعد نقص الكوادر الماهرة وتراجع أعداد المهاجرين، طُرح مقترح جريء يُعرف باسم «البطاقة الحديدية»، يمنح المهاجرين مسارًا سريعًا للحصول على الجنسية مقابل خدمة إلزامية في مشاريع حيوية، ما يعكس حجم التحدي الذي يُواجه الاقتصاد الأمريكي، ويضع «الهجرة والعمل» على طاولة سياسية شائكة تعصف بها الانقسامات الحزبية.

اقرأ أيضًا| سياسة ترامب الاقتصادية أكثر تطرفًا مما تبدو.. لماذا لا يثير ذلك قلقًا أكبر؟

 

أزمة عمالة تضرب مشاريع البنية التحتية

قبل أربع سنوات، وقع الرئيس الأمريكي السابق، جو بايدن أكبر قانون للبنية التحتية منذ عقود، لكن الجزء الأكبر من التمويل ما زال معلقًا، بحسب صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية.

فالمشاريع الكبرى، من جسور وطرق وخطوط نقل، لا ينقصها المال بقدر ما ينقصها العمال، لكن االحرفيون من كهربائيين ولحامين ومفتشي سدود يتقاعدون بوتيرة أسرع من دخول جيل جديد، ما جعل المشاريع تُعاني من نقص في الكوادر وتجاوز في الميزانيات حتى قبل أن تبدأ فعليًا.


فجوة نصف مليون عامل

تُقدّر مؤسسات التجارة أن قطاع البناء وحده بحاجة إلى نصف مليون عامل إضافي هذا العام، إضافة إلى مئات الآلاف في العام المقبل، وهذا النقص لا يتعلق فقط بالبناء، بل يهدد كل مشاريع التوسع في الاقتصاد الأمريكي.

فالاعتماد على التدريب المهني أو رفع الشعارات حول دعم الطبقة العاملة لم يعد كافيًا، إذ إن هذه الخطوات بطيئة جدًا أمام الحاجة الملحة، وفقًا لصحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية.


تفاصيل فكرة «البطاقة الحديدية»

يقوم المقترح المثير على إصدار "بطاقة حديدية" أو "ذهبية" لـ المهاجرين القانونيين الراغبين في الخدمة بمشاريع البنية التحتية، ومن يحصل عليها سيُجنّد للعمل في مواقع محددة، يخضع لفحص أمني وصحي، ويؤدي خدمة مدتها 5 سنوات في مشروعات ذات أولوية، مقابل تسريع منحه الإقامة الدائمة والجنسية الأمريكية، والإشراف على البرنامج سيكون بِيد وزارتي الأمن الداخلي والعمل في الولايات المتحدة، لضمان النزاهة ومعايير الأجور.

بينما الأزمة أكثر وضوحًا فهي في قطاع الكهرباء في الولايات المتحدة، حيث يتزايد الطلب مع انتشار السيارات الكهربائية، وبناء مراكز البيانات، وتحديث الشبكات.

ويتوقع مكتب إحصاءات العمل الأمريكي 80 ألف وظيفة شاغرة سنويًا في هذا القطاع خلال العقد المقبل، معظمها لتعويض المتقاعدين، وبالفعل هناك مشاريع كثيرة متوقفة بسبب نقص الفنيين، ولا يوجد صف طويل من الأمريكيين ينتظرون لملء الفراغ.

اقرأ أيضًا| هل يدفع الاقتصاد الأمريكي ثمن طفرة الذكاء الاصطناعي من جيبه الكهربائي؟


استثمارات ضخمة بلا عمالة كافية

في عام 2021، رصد الكونجرس الأمريكي 550 مليار دولار للاستثمار في البنية التحتية، غير أن الأموال وحدها لا تكفي، فغياب الأيدي الماهرة قد يُفشل التنفيذ.

وبحسب صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، الوضع خطير خاصة مع تصنيف 16,700 سد في الولايات المتحدة كـ"عالية الخطورة"، كثير منها متهالك أو غير مُرضٍ، وكل موسم تأجيل يضاعف المخاطر على المجتمعات، ويكشف ثغرات يمكن أن يستغلها خصوم خارجيون أو داخليون.


البطاقة لدعم الأمريكيين.. «لا لاستبدالهم»

يعتبر المنتقدون وفقًا لما أفادت به الصحيفة الأمريكية ذاتها، أن الحل يكمن في تدريب الأمريكيين، لا استقدام مهاجرين.

لكن المقترح الجديد لا يُقصي ذلك بل يجمع بين الأمرين، إذ سيضمن لكل متدرب مهاجر مقعدًا ممولًا لمواطن أمريكي في الكليات المجتمعية أو برامج التدريب المتخصصة، بما فيها مبادرات للمحاربين القدامى.


قواعد صارمة للأجور والخدمة

وسيُلزم البرنامج المشاركين بالعمل وفق قوانين الأجور الفيدرالية ومعايير السلامة، كما سيؤدون يمينًا قانونيًا للعمل في مواقع تحتاج دعمًا عاجلًا مثل النطاق العريض في المناطق الريفية أو إعادة تأهيل السدود أو خطوط النقل المعرّضة لحرائق الغابات، وبعد 5 سنوات من الخدمة المنتظمة ودفع الضرائب، يحصل العامل على البطاقة الخضراء ثم الجنسية.. أما من يخالف الشروط، فيفقد وضعه القانوني.

ومن جانب آخر، ومنذ جائحة كورونا تراجع صافي الهجرة الدولية إلى أدنى مستوياته منذ عقود، ما ترك فجوة في القوى العاملة بالوقت الذي بلغت فيه الوظائف الشاغرة ذروتها.

ورغم تباطؤ التوظيف مؤخرًا في الولايات المتحدة، لا يزال الاقتصاد الأمريكي بحاجة إلى ملايين العمال المهرة، وهنا تبرز أهمية البطاقة الحديدية كحل يجذب الحزبين: «الديمقراطيون سيرونها وسيلة لدعم النقابات والعمال»، و«الجمهوريون قد يعتبرونها نموذجًا للهجرة القائمة على الجدارة مع ضبط الحدود».


تفاصيل تقنية «صارمة»

المقترح يتضمن ضوابط دقيقة، وهي: «حصر الأهلية في المهن التي تعاني من عجز حاد، واشتراط إتقان الإنجليزية خلال السنة الأولى، والاعتراف بالمؤهلات الأجنبية مع مطابقتها للمعايير الأمريكية، واستخدام نظام التحقق الإلكتروني (E-Verify)، وإثبات الهوية عبر البصمات أو الصور»، ولن يُجدد البرنامج إلا إذا أثبتت البيانات جدواه، ما يجبر الكونجرس الأمريكي على محاكمة النتائج بالأرقام.. لا بالشعارات.

لكن الأهم، أن يقترن البرنامج بمنح تدريبية على غرار GI Bill، مع دعم إضافي لرعاية الأطفال والسكن حتى يتمكن الأمريكيون من تولي وظائف موسمية أو عن بُعد، وهذا الدمج بين استقدام مُهاجرين وتطوير المهارات المحلية قد يفتح الباب أمام توازن جديد في سوق العمل.