في الوقت الذي تتباهى فيه شركات وادي السيليكون بولاية كاليفورنيا بأن الذكاء الاصطناعي هو «قاطرة النمو القادم»، يُلوح سؤال أكثر إلحاحًا في الأفق، ألا وهو: «من سيدفع الفاتورة؟»، فبينما يُضيف الذكاء الاصطناعي قوة دفع لـ الاقتصاد الأمريكي، إلا أنه في الوقت نفسه يفرض فاتورة خفية تُسدد من جيب المواطن الأمريكي عبر أسعار الكهرباء والفوائد المرتفعة، لكن.. ماذا سيحدث إذا قررت هذه الشركات فجأة إبطاء وتيرة استثماراتها؟؟
كشف تقرير حديث لمجلة «ذي إيكونوميست» البريطانية، أن الولايات المتحدة قد تجد نفسها أمام معادلة معقدة، حيث يضخ الذكاء الاصطناعي دماءً جديدة في الناتج المحلي الإجمالي، لكنه في المقابل يرفع أعباءً ثقيلة على شبكة الكهرباء، ويضغط على قطاعات اقتصادية تقليدية.
اقرأ أيضًا| تحليل| من يربح في معركة العقوبات.. روسيا والصين أم السوق الأمريكي؟
«أشبورن».. عاصمة مراكز البيانات
إذا كان لـ الذكاء الاصطناعي وطن.. فهو بلا شك أشبورن شمال ولاية فرجينيا الأمريكية ــ بحسب المجلة البريطانية ذاتها ــ حيث تنتشر مراكز البيانات العملاقة التي تُعد الأكبر في العالم.
ويستهلك قطاع التكنولوجيا، وتحديدًا مراكز البيانات الضخمة، كميات هائلة من الطاقة، ففي العام الماضي وحده، استهلكت البنية التحتية التكنولوجية في ولاية فرجينيا الأمريكية، أكثر من ربع إنتاج شركة الكهرباء الرئيسية في الولاية، ومن مطار دالاس القريب، يمكن للمسافرين رؤية هذه المراكز التي تبدو كـ"غابات" من الصناديق البيضاء، وتُعتبر قلب الثورة الرقمية الجديدة.
رغم القلق من تباطؤ الاقتصاد الأمريكي بسبب ارتفاع أسعار الفائدة والفوضى التجارية بسبب قرارات ترامب الجمركية الأخيرة، إلا أن طفرة الذكاء الاصطناعي تدفع عجلة النمو بقوة، فنحو سدس الزيادة في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي خلال العام الماضي جاء من الاستثمارات في الرقائق ومراكز البيانات، وإذا احتسبنا تطوير الشبكات الكهربائية وبرمجيات الذكاء الاصطناعي، فإن مساهمته قد تصل إلى 40% من النمو، وهو رقم مذهل بالنسبة لقطاع صغير نسبيًا، بحسب مجلة «ذي إيكونوميست» البريطانية.
حتى وقت قريب، كانت الشركات الكبرى مثل مايكروسوفت وجوجل تُموّل مشاريعها من الأرباح المتراكمة، لكن حجم الطفرة الحالية يفوق قدراتها الذاتية، ما دفعها إلى الاقتراض المكثف لتمويل بناء مراكز البيانات العملاقة، والرهان الآن واضح: فـ «الذكاء الاصطناعي سيكون القوة المحركة لـ الاقتصاد الأمريكي، ومن يحصد السوق أولًا سيستحوذ على المكافآت كلها»، وفقًا لما أشارت له المجلة ذاتها.
الكهرباء.. «الفاتورة الخفية»
تُبنى مراكز البيانات الحديثة بقدرات جيجاواطية، أي بما يعادل استهلاك مدينة صغيرة، والنتيجة؟.. هي «ارتفاع ملحوظ في أسعار الطاقة»، وبالفعل قد زادت فواتير الكهرباء الأمريكية بنسبة 7% بحلول 2025، ويُعزى جزء من هذه الزيادة إلى الضغط الذي تفرضه مراكز البيانات على الشبكة، وهذا يعني أن المستهلك الأمريكي العادي يشارك، دون أن يدري، في تمويل طفرة الذكاء الاصطناعي عبر فاتورته الشهرية.
التاريخ يُظهر أن الاستثمارات الضخمة في التكنولوجيا قد لا تخلو من المخاطر، ففي أواخر التسعينيات، شهد العالم ضخ رؤوس أموال هائلة في البنية التحتية للإنترنت، الأمر الذي أدى إلى انهيار فقاعة "الدوت كوم".
وعلى الرغم من هذا الانهيار، استمرت التكنولوجيا في التقدم والنمو، لكن اليوم، تختلف الرهانات بشكل جذري، حيث تُعد الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي أكبر بكثير، وتصل التوقعات إلى مستويات غير مسبوقة، من الأتمتة الشاملة والإنتاجية الهائلة، إلى بناء اقتصاد يعتمد بشكل كامل على قوة الحوسبة.
اقرأ أيضًا| البنتاجون يُطلق خطة لفك احتكار الصين لموارد استراتيجية حيوية| تعرف عليها
سيناريوهات المستقبل.. طفرة أم فقاعة؟
بينما يزدهر قطاع الذكاء الاصطناعي، تُعاني قطاعات أخرى من ضغوط هائلة، فمثلا: بناء المنازل تراجع، والاستثمار التجاري التقليدي انخفض، و«كلاهما حساس لارتفاع أسعار الفائدة»، بمعنى آخر، هناك إعادة توزيع للموارد، لأن الذكاء الاصطناعي يستهلك النصيب الأكبر، فيما ينكمش باقي الاقتصاد الأمريكي.
واليوم، بات مستقبل الاقتصاد الأمريكي مُرتبطًا بسلوك شركات التكنولوجيا الكبرى، وأي تباطؤ في إنفاقها الرأسمالي – نتيجة نقص الرقائق أو قيود الطاقة – سيعني مباشرة انخفاضًا في معدلات النمو، صحيح أن ذلك قد يؤدي إلى تراجع أسعار الفائدة والطاقة، ما يُخفف الضغط على بقية الاقتصاد، لكن تجربة "فقاعة الإنترنت" تلقي بظلالها الثقيلة على المشهد، وأي انهيار مُماثل قد يحرم أمريكا من مُحركها الأساسي للنمو في لحظة تبدو فيها بقية القطاعات ضعيفة، وفقًا لمجلة «ذي إيكونوميست» البريطانية.



المرشد الإيراني: أمريكا وإسرائيل تسعيان لـ«زرع الانقسام» بين الإيرانيين
خلال زيارته لليابان.. وزير الخارجية يجري حوارًا مع قناة «NHK»
وزير الخارجية يلتقي مجلس الأعمال المصري الياباني







