مع استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، يجد الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب نفسه عالقًا في تكرار لسيناريو سبق أن عاشه خلال ولايته الأولى، حيث أُجبر من قبل الكونجرس على تبنّي سياسات عدائية تجاه موسكو، رغمًا عن إرادته.
ووسط التوتر المتصاعد، يُنتظر أن يُعلن ترامب عن إرسال دفعة جديدة من منظومات باتريوت إلى أوكرانيا، من خلال دول حلف شمال الأطلسي "الناتو"، التي ستتحمل كلفة هذه الشحنة العسكرية.
وبينما تتّسع دائرة المواجهة الاقتصادية بين القوى الكبرى، لم يعد السؤال الأهم: من يُعاقب من؟ لكن: من سيدفع الثمن في نهاية هذه المواجهة؟ ليس فقط موسكو أو كييف، بل ربما السوق الأمريكي نفسه.
ووفقًا لتحليل «معهد كوينسي للحكم الرشيد» المتخصص في أبحاث السياسة الخارجية للولايات المتحدة، الغموض لا يزال يحيط بما إذا كان هذا الإعلان العسكري هو "الحدث المهم" الذي ألمح إليه ترامب سابقًا، أو أن هناك مفاجأة أخرى تتعلق بعقوبات أكثر شراسة، يُخطط لها الكونجرس ضد موسكو.
اقرأ أيضًا| «هل تتعمّد إدارة ترامب إضعاف أوكرانيا؟».. إشارات خطيرة نحو صفقة كبرى مع بوتين
عقوبات صادمة.. ورسوم جمركية بـ500% في الطريق
ضمن مشروع قانون جديد يقوده السيناتور الجمهوري ليندسي جراهام والديمقراطي ريتشارد بلومنثال، يسعى مشرّعو الكونجرس إلى فرض رسوم جمركية تصل إلى 500% على أي دولة تشتري الطاقة الروسية، وهي خطوة قد تُشعل حربًا اقتصادية مفتوحة، ويحظى هذا المشروع حاليًا بدعم حوالي 85 سيناتورًا.
ورغم أن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب لم يُعلن دعمه رسميًا لهذا الإجراء، إلا أن إشاراته توحي بتأييد ضمني له، لكن المخاوف تتزايد من أن تؤدي هذه الخطوة إلى تقويض أي مسعى للسلام، وإلى دفع الاقتصاد الأمريكي نحو مسار أكثر اضطرابًا.
العقوبات| خسارة سياسية واقتصادية.. و«الأعداء لا يتأثرون»
هذه العقوبات الجديدة، إن تم تمريرها، ستكون أكثر تطرفًا من قانون "مكافحة أعداء أمريكا من خلال العقوبات" (CAATSA) الذي وقّعه ترامب عام 2017 رغم اعتراضه عليه، فقد استخدم ذلك القانون سابقًا ضد بعض الدول مثل روسيا، لكنه واجه انتقادات شديدة بسبب تقييده لصلاحيات الرئيس، وغياب فاعليته في تغيير سلوكيات الدول المستهدفة.
ورغم أن ترامب حينها أصدر بيانًا غاضبًا مع توقيعه، فإن السيناريو يتكرر الآن مع مشروع قانون يُهدد بتعميق الأزمة مع روسيا، وبنقل تبعاتها إلى الداخل الأمريكي والأسواق العالمية.
السوق الأمريكي في مرمى النيران
الرسوم الجمركية المقترحة لا تستهدف روسيا فقط، بل ستمس حلفاء وشركاء تجاريين كبار لأمريكا مثل الاتحاد الأوروبي، والصين، وتايوان.
وبحسب «معهد كوينسي للحكم الرشيد» المتخصص في أبحاث السياسة الخارجية للولايات المتحدة، قد حذر خبراء من أن هذه الخطوة قد تُلحق ضررًا بالغًا بالاقتصاد الأمريكي وتزيد من عزلته.
أما الاعتقاد بأن الصين ستتراجع فجأة عن استيراد النفط الروسي استجابةً لتهديدات واشنطن، فهو وهم، حيث ردّت بكين سابقًا بعقوبات مضادة، ومن المتوقع أن تُكرر ذلك بقوة، خاصة في ظل تصاعد التوترات التجارية بين القوتين.
أسعار ترتفع ونمو يتباطأ.. والتضخم يلوح في الأفق
ورغم أن التضخم الأمريكي لم يشهد ارتفاعًا كارثيًا بعد، إلا أن التوقعات تشير إلى أن الصيف الجاري سيحمل زيادات ملحوظة في الأسعار، نتيجة الرسوم الجمركية التي هدد بها ترامب، خاصة بعد أن وصلت الرسوم المفروضة على المنتجات الصينية إلى 145%.
وبحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، من المُتوقع أن يتباطأ النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة، نتيجة هذه السياسات، التي لا يبدو أن لها أثرًا حقيقيًا على مواقف روسيا في الملف الأوكراني منذ 2014 حتى الآن.
تولسي جابارد: واشنطن تُعاقب شعبها
بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022، حذرت تولسي جابارد - التي تشغل حاليًا منصب مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية - من أن العقوبات على روسيا لن تُغيّر سلوك الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، بل ستزيد من معاناة الشعب الأمريكي.
وهو نفس الرأي الذي يشاركها فيه كثيرون داخل واشنطن، ممن يرون أن إدارة بايدن كانت منشغلة بتأديب روسيا، دون النظر لتبعات ذلك على الداخل الأمريكي.
وفي تحرك جديد، وافق ترامب على إرسال منظومات صواريخ باتريوت لأوكرانيا بتمويل من دول الناتو، في خطوة تهدف لتخفيف العبء المالي عن واشنطن، لكنها تضع أوروبا في قلب المواجهة، وقد علّق ترامب قائلاً إن أوكرانيا حصلت من أمريكا على دعم عسكري يفوق ما تلقته من أوروبا بثلاثة أضعاف.
ويبدو أن ترامب ينظر للأمر كفرصة لتعزيز مكاسب شركات الدفاع الأمريكية، خاصة بعد تخصيص 150 مليار دولار إضافية للبنتاجون مؤخرًا – وهو مبلغ يتجاوز الميزانية السنوية لـ الجيش البريطاني بأكثر من الضعف.
ورغم شحنات الأسلحة المتزايدة، فإن أوكرانيا فقدت مساحات كبيرة من أراضيها في الأسابيع الأخيرة، دون أن تُحقق مكاسب استراتيجية تُذكر، وسط ارتفاع أعداد الضحايا، ويعتقد مُحللون أن استمرار الضخ العسكري لن يُغير المُعادلة، لكنه فقط قد يُبطئ خسائر كييف ُمؤقتًا.
في المقابل، تُراهن روسيا على حرب استنزاف طويلة، تستنزف أوكرانيا وحلفاءها اقتصاديًا وعسكريًا.
اقرأ أيضًا| خطة ترامب لإيصال السلاح لكييف على حساب «الناتو».. تفاصيل
هامش ضئيل للأمل للمفاوضات.. و«لا نتائج»
قرار الناتو بزيادة الإنفاق الدفاعي إلى 5% قد يُغير ميزان القوى على المدى البعيد، ويمنح أوروبا قدرًا أكبر من الاستقلالية في مواجهة روسيا، لكن هذا التغيير لن يأتي سريعًا بما يكفي لإنقاذ أوكرانيا الآن.
وعُقدت مؤخرًا محادثات بين وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو ونظيره الروسي سيرجي لافروف في كوالالمبور، لكنها لم تُثمر عن أي تقدم ملموس، واكتفى الطرفان بالحديث عن "إعادة بناء العلاقات بين الشعبين"، وسط غياب نية حقيقية للحل.
في حين ما زال الكرملين يعتبر إعادة ترتيب العلاقات الأمريكية الروسية أولوية، لكن لا مؤشرات تُبشّر بقرب أي تسوية.
«فخّ مينسك مجددًا»
فشلت اتفاقات مينسك للسلام في 2014 و2015 لأن القوى الغربية كانت تطالب روسيا بتنازلات دون إلزام أوكرانيا بالمثل، وهذا التوازن المختل يتكرر اليوم، مما يجهض أي جهود سلام، وفقًا لـ«معهد كوينسي للحكم الرشيد» المتخصص في أبحاث السياسة الخارجية للولايات المتحدة.
وعلى غرار ذلك، يبدو أن على ترامب ـــ إن أراد السلام ـــ أن يقبل بواقع صعب وهو: «لا تسوية ممكنة ما لم تتنازل أوكرانيا عن الانضمام للناتو، وهو أمر تُعارضه أوروبا بشدة».
في الوقت الذي يحاول فيه ترامب وحلفاؤه في الكونجرس تشديد العقوبات على روسيا، فإن نتائج هذا المسار قد تكون أكثر إيلامًا لـ الاقتصاد الأمريكي منه للكرملين، أما الصين سترد، وأوروبا ستتأثر، والأسواق العالمية بأكلماها ستضطرب.. ليصبح السؤال الآن، «هل تدفع أمريكا ثمن معركة لا تملك مفاتيح حسمها؟».
اقرأ أيضًا| توتر جديد بين واشنطن وموسكو.. ترامب يُهاجم بوتين ويهدد بعقوبات غير مسبوقة



الولايات المتحدة تُعلن اتفاق إسرائيل ولبنان على وقف إطلاق نار
مجلس النواب الأمريكي يدعم قرارًا يحد من صلاحيات ترامب بشأن حرب إيران
أمير قطر وترامب يبحثان خفض التصعيد وأمن الملاحة في الشرق الأوسط







