تحول استراتيجي مُرتقب.. «الأمن الأوروبي خارج عباءة أمريكا»

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية


في ظل التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، يطفو على السطح جدل استراتيجي مُتصاعد داخل أوروبا حول مستقبل الأمن في القارة العجوز بعيدًا عن المظلة الأمريكية.

كشفت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، هذا التحول المُرتقب، مُؤكدةً أن أوروبا لم تعد قادرة على الركون إلى واشنطن وحدها في حماية مصالحها.

وبينما تتزايد الدعوات لتعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية، يظل التساؤل الأبرز هو: «هل تستطيع القارة، خلال عقد ونصف، بناء شراكة متوازنة مع الولايات المتحدة، تقوم على الندية.. لا التبعية؟».

اقرأ أيضًا| تحليل غربي يحذر: روسيا قد تنقل معركتها لقلب أوروبا إذا توقف النزاع مع أوكرانيا


تسليم العصا الأمنية في أوروبا

أشارت مُحللة السياسة الخارجية الأمريكية المتخصصة في الأمن الدولي، إيما آشفورد في مجلة «فورين بوليسي»، إلى أن اللحظة الراهنة قد تكون الأكثر أمانًا لانتقال المسؤولية الأمنية تدريجيًا من الولايات المتحدة إلى الأوروبيين، وهذا الانتقال، وإن بدا منطقيًا في ضوء التحديات الحالية، يتطلب إرادة سياسية واستثمارات دفاعية ضخمة لضمان ألا يترك فراغًا استراتيجيًا تستغله قوى منافسة مثل روسيا أو الصين.

من جانبه، لفت جاريد كوهين، الخبير الأمريكي (الذي قيل إنه رجل المهمات الخارجية الأمريكية الصعبة في إحداث التغيير في العالم من خلال الرأي العام الافتراضي) في حوار مع رئيس تحرير «فورين بوليسي» رافي أجراوال، إلى أن أي مشروع دفاعي أوروبي مستقل يظل مرهونًا بقدرة الاقتصاد الأوروبي على النمو، فالقوة العسكرية لا تنفصل عن القاعدة الاقتصادية، وأي تباطؤ في معدلات النمو قد يؤدي إلى تراجع مكانة أوروبا الجيوسياسية، ويجعلها أكثر هشاشة أمام الأزمات العالمية.


أوروبا بلا دفاع فعلي بدون أمريكا

شدد الخبير فرانز ستيفان جادي، الباحث المتخصص في مجال الأمن القومي والحروب المستقبلية، على أن حلف شمال الأطلسي "الناتو"، ما يزال العمود الفقري للدفاع الأوروبي، وأنه من دون الدعم الأمريكي سيظل أمن القارة ناقصًا.

ورغم زيادة الإنفاق العسكري الأوروبي بعد الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت في فبراير 2022، فإن غياب التنسيق العميق يجعل القدرات الأوروبية مشتتة وغير قادرة على ملء الفراغ إذا انسحبت واشنطن.

اقرأ أيضًا| لا مزيد من المجانية| ترامب يفرض على أوروبا معادلة «الحماية مقابل الدفع»


أوكرانيا دفعت أوروبا إلى القوة

أما «مايكل كيميج» الباحث ومدير معهد كينان في واشنطن للدراسات، و«ليناس كوجالا» مدير مركز دراسات شرق أوروبا في فيلنيوس بـ ليتوانيا، فأوضحا أن الحرب الروسية الأوكرانية أجبرت أوروبا على إثبات وجودها كطرف رئيسي في تقرير مصير الأزمة.

ووفقًا لهما، لم يعد بإمكان القارة الاكتفاء بدور المراقب، بل أصبحت لاعبًا على الطاولة الدولية، وهو ما يعكس بداية وعي جديد بضرورة امتلاك قوة مستقلة تتجاوز الاعتماد الكلي على المظلة الأمريكية.

وختم الدبلوماسي كيشور محبوباني، عميد كلية لي كوان يو للسياسة العامة بجامعة سنغافورة الوطنية، التحليل، بالتحذير من أن أوروبا تحتاج إلى إعادة تشغيل استراتيجية كاملة، قادرة على موازنة المصالح الداخلية مع الالتزامات الخارجية، فإذا لم يتمكن القادة من اتخاذ القرارات الصعبة، فمن الضروري إشراك الشعوب الأوروبية عبر صناديق الاقتراع في رسم مستقبل الأمن القاري، وإلا ستظل أوروبا في مأزق بين التبعية والفراغ الاستراتيجي..

اقرأ أيضًا| تحليل| من يربح في معركة العقوبات.. روسيا والصين أم السوق الأمريكي؟