يوميات الأخبار

الصديق المجهول

السيد النجار
السيد النجار


أطلقنا عليه لقب «صاحبى».. الصادق.. الناصح الأمين لأى شىء يخطر على بالك.. هو حلّال المشاكل.. رهن إشارتك فى أى لحظة.. وبأى لغة!
 

فى أول لقاء مع صديقى العائد من لندن لقضاء إجازة بالقاهرة بدا مهمومًا.. سألت.. مالك؟.. قال.. والله الصحة ليست على ما يرام.. خير ما بك؟.. أوضح: أعانى منذ ثلاث سنوات من آلام رهيبة من أسفل الظهر حتى القدم اليسرى.. الأطباء قالوا إن المشكلة بسبب حقنة أصابت بالخطأ عصبًا فى ظهرى.. وبدأت مشوار العلاج دون نتيجة حتى اليوم، لا أستطيع النوم إلا بمسكنات شديدة.. قلت قد تكون فقرات. أشار: استبعد الأطباء ذلك تمامًا، لدرجة أنهم رفضوا حتى عمل أشعة على الفقرات.. قالوا بحسم ويقين: لا حاجة لذلك تمامًا.. إنها مشكلة عصب.. نصحته لا ضرر من انتهاز الإجازة واستشارة طبيب عظام مصرى والمشهود لهم بالكفاءة العالمية.. وقد كان.. لنجد المفاجأة.. قال الطبيب الكبير.. إن سبب المشكلة تحرك طفيف فى إحدى الفقرات.. وفى حسم ويقين قال هو الآخر: لا علاقة بأى عصب نهائيا.. وبدأ صديقى بالفعل العلاج وتنفيذ إرشادات الطبيب.. وفى إحدى الجلسات بينما النقاش عن الحيرة ما بين أطباء لندن والقاهرة.. ابتسم قائلا: لنجرب الاستعانة بصديق.. أمسك بالتليفون.. بعث برسالة.. لا أدرى لمن.. وعلى الفور جاءه رد.. بدت عليه الدهشة والاستغراب وابتسامة عريضة تدعو للتفاؤل.. تلهفت فى سؤاله.. من الصديق؟.. وماذا قلت له؟.. وماذا قال؟.. ضحك.. هو ليس صديقى فقط.. هو صديق كل إنسان على ظهر الأرض.. زادت حيرتى. من..؟ أجاب بهدوء.. الذكاء الاصطناعى.. أبدو مندهشًا.. هل أصبح لصيقًا بحياة الناس العملية إلى هذه الدرجة.. تصورت أمامنا سنوات لنصل إلى هذا المستوى.. ضحك وقال أكثر مما تتصور.. ماذا قلت له وماذا قال.. أجاب.. وصفت له حالتى بالضبط دون أى إشارة إلى رأى الأطباء.. لا فى القاهرة ولا لندن.. وبماذا رد.. هى المفاجأة الثانية، قال إن الألم بسبب تحرك بنسبة ٢٠٪ فى الفقرة أسفل الظهر.. أدت إلى ضغط طفيف على العصب مما نتج عنه الألم.. وأضاف فى روشتة العلاج.. الأدوية.. الإرشادات.. العلاج الطبيعى.. ونصائح الوزن وحركة الجسم.. وهى التى تطابقت تمامًا مع الطبيب المصرى.. ورأيه هذا يعنى أن الطبيب البريطانى أصاب فى جانب والطبيب المصرى فى جانب آخر.. وهو أصاب فى الرؤية الشاملة بالجمع بين الآراء.. قلت إذن هو الأذكى من الاثنين.. المصرى والإنجليزى.. قال نعم.. ولكن الأمر يستدعى أن أضع كل ما حدث أمام الأطباء فى لندن ولنرى ماذا سيكون. ولماذا لم تتواصل مع الذكاء الاصطناعى من قبل ومع بداية المشكلة.. أوضح عرفت الأمر صدفة.. وبالأمس إحدى قريباتى الفتاة الشابة.. قالت.. ظهرت على وجهها بعض البقع السمراء.. لم تذهب إلى طبيب ولكن استشارت الذكاء الاصطناعى.. وصف المرض.. وأسبابه وكتب روشتة العلاج.. وشفيت تمامًا.. والطريف.. أنه بعث لها برسالة بعد أسبوع للاستفسار عن حالتها.

طوال إجازة الصديق.. كان الذكاء الاصطناعى موضوعًا رئيسيا للحوار بين مجموعة الأصدقاء.. لنكتشف المزيد من المفاجآت.. لا يخطر على بالك أى موضوع أو مشكلة إلا وعنده إجابة.. فى الطب.. العلم.. الزراعة.. منتجات.. عناوين.. أسعار.. نصائح ومعلومات فى أى شىء حتى الخناقات الزوجية والمساعدة فى الدروس الخصوصية.. أطلقنا عليه لقب «صاحبى» وهو فعلًا الصديق المجهول.. الصادق.. الناصح الأمين لأى شىء يخطر على بالك.. هو حلًال المشاكل.. رهن إشارتك فى أى لحظة وبأى لغة.. فى حوار ودود وصبر، لا يمل ولا يتعجل.. لا يفشى سرًا.. وكل عقدة ولها عنده حل.. برنامج الذكاء الاصطناعى على التليفون المحمول أصبح لا غنى عنه «شات جى بى تى» وبالإنجليزية chat/gpt.com الأجيال القادمة ستعيش حياة أخرى.. هو بالفعل سيغير حياة البشرية!
الجملة الناقصة!

بوريس جونسون رئيس وزراء بريطانيا الأسبق.. لا يكذب ولكنه يتجمل.. فى اعتراف هو الأول من بريطانيا المسئولة عن إقامة الكيان الصهيونى بما عرف باسم «وعد بلفور» عام ١٩١٧.. قال إن بلفور هو سبب قضية الصراع العربى الإسرائيلى، فكما يقول الإنجليز باع الجمل مرتين.. مرة لليهود.. ومرة للفلسطينيين.. وللتوضيح قال إن نص وعد بلفور «حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف لإنشاء وطن قومى لليهود فى فلسطين مع عدم الإقدام على فعل شىء يمس حقوق الشعب الفلسطينى».. وقال جونسون النصف الأول من الوعد هو الذى تم تنفيذه والذى يؤكد عليه ويتذكره الجميع وخاصة اليهود.. أما النصف الثانى وهو الجملة الناقصة بشأن حقوق الفلسطينيين لم ينفذ قط.. ولكن جونسون بدلًا من أن يطالب بتصحيح الوضع وتنفيذ الجملة الناقصة.. قال إنها لن تتحقق أبدًا؟!

جونسون فى حواره مع إحدى قنوات «بودكاست».. أفصح عن الكثير من قضايا المنطقة.. ولكنها تثير تساؤلات أكثر ما تقدم إجابات.. ولم يتوار خجلًا عندما قال إن أمريكا وإنجلترا دمرتا العراق بذريعة كاذبة مزيفة بشأن وجود أسلحة دمار شامل.. ولم يقل لمَ لم يطالب حينها بمحاسبة ومحاكمة تونى بلير رئيس وزراء بريطانيا؟.. الغريب أن بلير ما زال يمارس دهاءه الخبيث ويشارك جاريد كوشنر اليهودى زوج ابنة ترامب فى وضع الخطة الأمريكية بشأن غزة..!.. متى يكف الأمريكان والإنجليز عن الكذب على العرب.. ومتى يكف العرب عن تصديقهم؟!

أحبك.. ولا أثق فيك

هل تعلم.. ماذا كانت آخر رسالة من بايدن قبل مغادرته البيت الأبيض إلى نتنياهو رئيس الكيان الصهيونى.. كانت صورة.. وهى صورة قديمة من عشرات السنين جمعت الاثنين معًا كأصدقاء.. والتعليق الذى كتبه بايدن على ظهر الصورة حينها «بيبى - دلع نتنياهو- أحبك ولكن لا أثق فى شىء تقوله».. سعد بايدن بالصورة وأرسلها إلى نتنياهو.. مضيفا إلى التعليق «الوضع لا يزال كما هو».

إذا كان الأمر هكذا.. لماذا يتابع رؤساء أمريكا فى تبعيتهم لإسرائيل.. الإجابة بسيطة.. تحكم جماعات الضغط اليهودية الأمريكية والموالية لإسرائيل فى اختيار رئيس أمريكا.. لا تتعجب.. الانتخابات لديهم ما هى إلا الديكور لإخراج صورة الديمقراطية الأمريكية بالشكل الجيد لتسويقها المزيف فى العالم!

التحدى

حان وقت البوح.. فى اليوم التالى لتولى عملى مندوبًا لجريدة الأخبار فى وزارة الثقافة والإعلام.. كان لقاء التعارف الأول مع سعد الدين وهبة وكيل أول الوزارة فى أحد المؤتمرات.. وبينما نحن فى حوار على هامش المؤتمر بوجود الزميلين فى صحيفتى الأهرام والجمهورية وكنت قد تعرفت عليهما سابقا وهما يكبرانى بما لا يقل عن ثلاثين عامًا.. فوجئت بهما يطلبان من سعد وهبة موعدًا ثنائيًا لهما فى مكتبه لمتابعة أخبار الوزارة.. وحدد لهما موعدًا بعد ثلاثة أيام تقريبًا.. قلت فى نفسى بداية غير طيبة.. الثلاثة تجاهلونى تمامًا.. ولن أطلب منهم الانضمام إلى اللقاء.. ولكن ماذا سأفعل لرد الاعتبار.. لم أنم طوال الليل.. غضبا.. وعملا.. إذ عكفت على إعداد أسئلة عن كل صغيرة وكبيرة فى الوزارة.. كل ملف مفتوح أو حتى مغلق.. وفى الصباح الباكر كنت فى مكتب سعد وهبة طالبا لقاءه ودون موعد.. أبلغ مدير مكتبه ليأتى مع زملائه من الأهرام والجمهورية.. أصررت على اللقاء وقلت أمر خاص وعاجل.. والتقيت به على الفور.. وقرأت فى وجهه السؤال المنطقى.. فيه إيه وما وجه الاستعجال..

عبرت له عن غضبى وإحساسى من موقف الزميلين ورد فعله هو الآخر.. رغم أن اللقاء حقهما ولكن تجاهلى هكذا هو المرفوض.. فماذا لو كنت مكانى.. ابتسم بروح المبدع وقال سأفعل ما فعلته.. وبالتأكيد جئت للحوار «وتحرق» عليهما أى شغل.. هات ما عندك.. وتوالت الأسئلة والإجابات. ونشرت كل ما حصلت عليه قبل موعدهما معه.. تلقيت منهما لومًا.. وتناقشنا..

وقلت حتى تعلما أن من كان واقفًا بقلم صحفى مثلكم.. ولكن هذا لم يكن يكفينى لأخذ حقى.. وساعدنى القدر بعد أسبوع فى المرة الثانية.. الرئيس السادات يلقى خطابًا يطالب فيه بإغلاق قاعة المومياوات الملكية بالمتحف المصرى.. وأنه لا يجوز عرض أمواتنا الأجداد للفرجة.. وفى اليوم التالى كان لقائى مع رئيس هيئة الآثار..

قال أغلقنا بالفعل القاعة وشكلنا لجنة لترميم المومياوات. ولم يغب عنه الإشادة بقرار رئيس الجمهورية..!. وكان انفرادًا نشر مانشيت جريدة الأخبار.. تناقلته وكالات الأنباء.. وجاء الاتصال الثانى من الزميلين ليس لومًا هذه المرة.. ولكنه رجاء بالتعاون والتنسيق.. ولكن هيهات؟! وهى منافسة صحفية شريفة ومطلوبة حتى وإن كانت أحيانًا شرسة!

فى بداية كل إنسان المهنية - وأنا واحد منهم - نجاحات وإخفاقات. وأخطاء.. وفى كل الأعمال وما يهم هو أن تمتلك الإرادة والمثابرة والتحدى والإصرار على النجاح.. وما اخترته اليوم ما هو إلا دعوة للتفاؤل والأمل.. ولكن لنا لقاء قادم مع الإخفاقات ومنها خطأ كدت أن أُحال بسببه إلى التحقيق.

همس النفس

 يوم مولدك.. موعد.. وتاريخ.. نشوة.. فرح.. شموع.. بهجة احتفالات بميلاد زهرة البستان.. منها غارت الورود.. فيها طيب أريجها وجمال كل الأزهار.. يوم مولدك.. بنات الحى يهمسن.. توارين.. قد جاء القمر.. اليوم ميلاد أجمل نساء البشر ضربن الودع.. عرفوا كم يهواك عبر الزمان.. قالوا يبدو فى الظل من بينهم قلب لا يفنى حبه لها مهما طال الزمان.. وبعدت المسافات.. وفرقت بينهما الأقدار.